(دعاة على أبواب جهنم): دراما جاهلة

كتبهاالصقر الحر ، في 20 أكتوبر 2006 الساعة: 19:15 م

لا يختلف اثنان على أن الدراما الأردنية مأزومة، وهي في مرحلة الأفول والمغادرة، وقد أطلت علينا في رمضان من هذا العام بعمل غريب الأطوار، يعمق أزمتها، ويشكك في قدرتها على الاستقلالية الموضوعية، كما يشكك في احتمال نهوضها من عثرتها، فقد شعر الأردنيون بغثيان وصدمة من جراء عرض مسلسل (دعاة على أبواب جهنم)، فلم يكن عسيراً على الوعي الشعبي الأردني أن يدرك سطحية العمل ورائحته الأمنية، وأن أهدافه ستكون أشبه بطبخة الحصى التي فقدت المعنى والروح.

وأصر القائمون على العمل، على إثبات جهلهم بحقيقة ظاهرة العنف الديني، وأسبابها ومبرراتها وإشكالياتها المعقدة والمتداخلة، وتم تسطيح الظاهرة بأسلوب أشرت عليه الحلقات الأولى من هذا العمل، ويمكن لنا أن نلمس مسألتين هامتين قام العمل بإلقاء الضوء والتركيز عليهما وهما: أن أفراد هذه الجماعات لا يقودها إلا الرغبة في السلطة والتغرير بالشباب، وأنهم كذلك يمارسون تأثيرهم في الأعم الأغلب على الجاهل من الشباب والعاطل عن العمل والفاقد لمعنى الذات والأنا، والمرفوض في جماعته وقومه.

كما يركز العمل الدرامي الأردني على أن العنف داخل في بنية وتركيبة الالتزام الديني، وذلك من خلال إشارته المستمرة لدور التعليم الديني ومدارسه في التأسيس للعنف ونبذ الأخر ورفضه، واستسهال تكفيره وقتله، وكأن صانعي هذا العمل يرون في الإسلام بذور العنف والقتل والدماء.

ولا ننكر أن ثمة ممارسات خاطئة ارتكبها بعض الشباب المسلم في لحظة عجلته ورغبته في التغيير، كما أن التعليم الديني ومدارسه تسلط الأضواء على الهم العام، وتستخدم له لغة التهويل والإثارة، وما هؤلاء الشباب إلا نموذج المجاهد الشجاع في الزمن الرديء الخاطئ الذي فقدت فيه الأمة بوصلتها وخيارتها.

الأمر بمجمله لا يعفينا أن نرى الظاهرة على حقيقتها، وأن ندرسها بعلمية وموضوعية، بعيداً عن الانحيازات واللغة الأمنية، وكان الأجدر على القائمين على العمل أن يسلطوا الضوء على السياسات الأميركية تجاه قضايا المنطقة، كونها الفاعل الأول والرئيس (مادة خام) لهذه الظاهرة وانفلاتها من عقالها.

هل يعلم هؤلاء الذي سيدخلون بيوتنا طوال شهر رمضان، أن دراسة قامت باختبار الخلفية العلمية للذين مارسوا أعمال عنف تجاه الولايات المتحدة الأميركية ومصالحها في السنوات الأخيرة (وفق مقالات نشرت في صحيفة نيويورك تايمز)، وتم التركيز على (75) شخصاً قاموا بأعمال رئيسية من خلال تفجير مركز التجارة الدولي وأحداث الحادي عشر من أيلول وتفجير السفارات في أفريقيا، وجدت الدراسة أن 53% من هؤلاء، يحملون شهادات جامعية تقنية لا علاقة لها بالتعليم الديني ومدارسه، وهذه النسبة تقارب نسبة الجامعيين في أميركا.

وهل يعلمون أن اثنا عشر رجلا من الذين هاجموا مركز التجارة عام 1993 وقادوا الطائرات في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والمخططون الثانويون، غالبهم تخرجوا من جامعات غربية، وتضيف الدراسة، أن محمد عطا أهم طياري ومهندسي هجمات الحادي عشر من أيلول، قد تلقى تعليمه الجامعي في ألمانيا تخصص (بيئة المدن)، أما خالد الشيخ فهو خريج الهندسة من جامعة (نورث كارولينا)، وتؤكد الدراسة أنه من بين الـ(75) مهاجماً، فقط تسعة هم خريجو مدارس دينية، وكان دورهم في الهجمات ثانوياً.

ويعزز ذلك، أن واحدة من كل أربع عمليات تضحية بالنفس في العراق، هي لشاب من دول شمال إفريقيا والمغرب العربي، وهذه المناطق أكثر علمانية وقسوة مع التعليم الديني، وثقافتها المجتمعية أقرب للغرب وفرنسا.

في ظل مثل هذه الحقائق والأرقام، يجب تسليط الأضواء على كيفية تعاطي الولايات المتحدة مع القضايا العربية والإسلامية، واعتبار ذلك مكوناً رئيسياً للموقف من أميركا، فالذاكرة التاريخية للمسلمين تجاه السياسة الأميركية، تتسم بالقسوة.

هذه الذاكرة تشكلها مجموعة من الحقائق السلبية منها: موقف أميركا المنحاز لإسرائيل، السكوت عن ممارسات الأنظمة الشمولية مقابل النفط وحماية مصالح أميركا، ازدواجية المعايير فيما يتعلق بالقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، انتقائية الإصلاح كما ونوعا، بما يتناسب مع بسط الهيمنة الأميركية ومشاريعها، الفقر، وصفات صندوق النقد الدولي، انتهاكات أبو غريب وغوانتنامو والإساءة للقران، واحتلال العراق وأفغانستان، وغيرها الكثير.

العنف كظاهرة يمكن أن تفرزه ظروف داخلية وخارجية، وعلماء الاجتماع يفسرون العنف تبعاً للظروف الاجتماعية (كالفقر والبطالة والحرمان والاستبداد)، وهذه الظروف تشكل عائقاً دون الاندماج مع المجتمع، مما يولد عنفاً ضده. السؤال هنا: لماذا يوجه العنف تجاه أميركا دون غيرها، هل ذلك بسبب ظهور أميركا كلاعب رئيسي في معركة الصور وتصدرها لسلم الأولويات في اللاشعور الإسلامي، حتى إن إسرائيل قد توارت وراءها، وأصبحت الأنظمة العربية بعجزها رديفا مناسبا للأمريكان، ووصل العنف لعواصمها.

براءة التعليم الديني من الدور المباشر للعنف، لا تعني أنه ليس بحاجة لمراجعة وإصلاح، وإصلاحه مسألة ضرورة وإلحاح، وحتى يستطيع التعليم الديني استثمار انتشاره وقدرته التأثيرية في المجتمع، وتأدية دور أكبر في توجيه بوصلة التغير في الأمة نحو التحضر والتنمية، لا بد له من مراجعة شاملة تشمل مدخلاته ومخرجاته وأهدافه.

المطلوب من الدراما حاملة الرسالة، أن تكون أكثر أنصافاً واحترافاً في تفسير ظاهرة العنف الديني، ولزوماً عليها أن تؤكد على أن العنف الديني هو رد فعل على الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها الشعوب، وستبقى هذه النزعة في تزايد طالما بقيت السياسة الأميركية تجاه العالم العربي بهذا الاتجاه، وما دامت نظم القمع والاستبداد تعيث فساداً بمقدرات الأمة، عندها يستوي أن يدرس الشاب المسلم في مدارس دينية في قرية على الحدود الباكستانية، أم درس في هامبورج على يدي كبار أساتذة الهندسة في ألمانيا.

الدراما الأردنية أثبتت أنها غير قادرة على محاكاة الحقيقة، ووضع الأمور في نصابها، فانحازت للرواية الأمنية والغربية في وصف العنف الديني، وهي بذلك فقدت رغبة الناس في احترامها وانتظار المزيد منها

بقلم عمر معاصرة

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : السياسة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “(دعاة على أبواب جهنم): دراما جاهلة”

  1. ليـــــــــــــــــــــدي قال:

    موضوع حلو كتير صقرنا الحر ،،انا ماشفت المسلسل هيدا في رمضان بس قبل كم يوم شفت الحلقات الاخيره على قناة ام بي سي …بغض النظر عن كون الدراما الاردنيه مزجت بين الاكشن الغربي والعنف الديني …الا انها القت نظره عميقه على فئه تتخذ من الدين ستارا لارهابها ،،لعل وعسى يعي الشباب ولا يقعوا في مصيده دعاة على ابواب جهنم كالذين رأيناهم في المسلسل…وشكرا الك للموضوع الحلو

  2. جميل كتير هذا الموضوع

    أتمني لك التقدم

    أخي الصقر الحر

    مع تحياتي روح الحياة



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر