السَّماطُ الخليليُّ….سنة إبراهيمية وميراث عربي

كتبهاالصقر الحر ، في 27 يوليو 2007 الساعة: 06:54 ص

 

  محمد محمد حسن شُرَّاب

- السِّماط: بكسر السين، الصفّ، يقال: مشى بين سِماطَيْن من الجنود، ومن النخل والسِّماط أيضاً: ما يُمَدُّ ليوضع عليه الطعام في المآدب، والمراد به هنا: الطعام الذي يقدّم للضيفان، وأما الخليل: فهو خليل الله إبراهيم عليه السلام.

وسماط الخليل، مأدبة يومية كانت تقدم إلى كلِّ من كان في مدينة الخليل الفلسطينية، من أهلها أو من زوارها، فما أصل هذا السِّماط، ومتى بدأ وما علاقته بما شُهر من الكلام العربي؟

- الأصل في ذلك، ما روي من الأخبار التي تصف كرم إبراهيم الخليل عليه السلام حيث نقل ابن عساكر في ( تاريخ دمشق )، عن عكرمة أنه قال: كان إبراهيم عليه السلام يكنى أبا الضيفان، وكان لبيته أربعة أبواب لئلا يفوته أخذ الضيف، وأخرج البيهقي (( عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: يا جبريل لم اتخذ الله إبراهيم خليلاً، قال : لإطعامه الطعام يا محمد))، وروى أيضاً ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ الله عزّ وجلَّ بعث جبريل إلى إبراهيم، أني لم أتخذك خليلاً على أنك أعبد عبادي لي، ولكني اطلعت على قلوب الآدميين فلم أجد قلباً أسخى من قلبك، فلذلك اتخذتك خليلاً))، وجاء في تفسير قوله تعالى: ( هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين )، أن إبراهيم عليه السلام، كان يتولى خدمة أضيافه بنفسه، وقوله تعالى: ( إذ دخلوا عليه فقالوا: سلاماً، قال: بسلام قوم منكرون، فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين، فقر به إليهم، قال: ألا تأكلون … الآية )… فهذه الآيات صورة ناطقة عن كرم إبراهيم الخليل، حيث أسرع إلى أهله فذبح لهم عجلاً ثم شواه وقدّمه لهم، مع أنه لا يعرفهم، ولذلك كان إذا أراد أن يتغذى، طلب قن يتغذّى معه، ميلاً في ميل.

- ولم نعرف أحداً من ذرّية إبراهيم التي عاشت فلسطين، قدّرت هذه السّنة أو عمل على إحيائها بعد وفاته، ولكنّ صفة الكرم ظهرت جلية عند ذريته من ولد إسماعيل عليه السلام، وقد أطلع إبراهيم عليه السلام، على أن هذه السنة لن يحملها عنه، إلا أبناء إسماعيل، فعمل على ترسيخ وجودها في ذريته، لما روى البخاري عن ابن عباس في ( كتاب الأنبياء، الباب التاسع ) أن إبراهيم عليه السلام، قدم مكة يتفقد أحوال ابنه إسماعيل، فقصد منزله، فوجده غائباً وسأل زوج إسماعيل، وهي لا تعرفه، عن عيشتهم فأخبرته أنهم في جهد وشدة، ولم تضيفه، فعاد وقد ترك وصيته لابنه بأن يطلق زوجته (يغير عتبة بيته ) فلما رجع إسماعيل إلى بيته عرف الخبر، طلق زوجته وتزوج أخرى، وقدم إبراهيم الخليل إلى مكة قدمة ثانية، وسأل زوجة إسماعيل وهو غائب عن عيشتهم فحمدت الله وشكرته وقدمت له الطعام والشراب وهي لا تعرفه، ثم رحل وترك وصيته لابنه أن يمسك زوجته، فكان أولاد إسماعيل من هذه الزوجة الكريمة، ومن أولادها كان العرب فورثوا الكرم من أبيهم وأمهم، وبقي يسري في الدماء العربية، وسوف يبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لأن الكرم العربي ميراث وطبيعة حيث يجود العربي في العسر واليسر، مدفوعاً إلى الكرم بالسليقة والطبيعة والميراث، ولم تدفعه ظروف البيئة والحياة، وبعد أن جاء الإسلام تأكد خلق الكرم في نفس العربي، عملاً بسنة محمد صلى الله عليه وسلم، وتأسياً بسيرته العطرة، لما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ( كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس ) ( ك 78 ب 39 )، ولما ورد في الأحاديث الصحيحة التي تثبت حق الضيف، وتدعو إلى إكرامه، حتى كان إكرام الضيف من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر، لما روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )، وقد بوّب البخاري في (كتاب الأدب ) عدداً من الأبواب في إكرام الضيف، منها باب ( حق الضيف ) وباب ( إكرام الضيف ) وخدمته إياه بنفسه قوله تعالى: ( ضيف إبراهيم المكرمين ) وباب ( صنع الطعام والتكلف للضيف ) وباب ( ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف )، ( انظر : الفتح ج 10/531-535) وصدق الله العظيم القائل ( إنَّ أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ) ( آل عمران 68 ).

- وعندما أشرقت شمس الإسلام على ( مهاجر إبراهيم، في فلسطين، عمل العرب المسلمون على إحياء سنة أبيهم في مهاجره، حيث لقي النصرة فأحدثوا السماط الخليلي في مدينة الخليل الفلسطينية، ولكننا لا نعلم زمناً محدداً لبداية إحياء هذه السنة، وقد وقعنا على أقدم نص في وصف السماط الخليلي، عند الرحالة المقدسي، المعروف بالبشاري في كتابه ( أحسن التقاسيم ) الذي ألفه عام 375هـ، حيث زار موقع مدينة الخليل، وقال : ( وفي هذه القرية، الخليل، ضيافة دائمة وطباخ وخباز وخدام مرتبون يقدمون العدس بالزيت لكل من حضر من الفقراء، ويدفع إلى الأغنياء إذا أخذوا والأفضل عندي التورع عنه، قال: ويظن كثير من الناس أنه من قرى إبراهيم، وإنما هو من وقف تميم الداري وغيره. قال: وقد كان أمير خراسان أمر لها في كل سنة بألف درهم، وأوقف عليها العادل، حاكم كورجستان، وقفاً جليلاً. وقال: ولا أعلم اليوم في الإسلام مكرمة وصدقة أفضل منها، لأنه طعام جليل يأكله الجياع من أبناء السبيل، ويقام بها سنة إبراهيم، لأنه كان يحب الضيافة في حياته فأجراها الله تعالى له). ( ص 172-173 ) .

- وقد تتابع الرحالة فيما بعد على وصف السماط الخليلي، في القرون التالية، ففي سنة 438 ( نزل الرحالة الفارسي ناصر خسرو، ديار الخليل، فوصف السماط قائلاً: (ويعطون الضيوف والمسافرين والزائرين الخبز والزيتون، وهناك طواحين كثيرة تديرها البغال والثيران لطحن الدقيق، وبالمضيفة خادمات يخبزن طول اليوم، ويزن رغيفهم، منا واحداً ( نصف رطل شامي ) ويعطى من يصل هناك رغيفاً مستديراً، وطبقاً من العدس المطبوخ بالزيت وزبيباً كل يوم، وهذه عادة بقيت من أيام خليل الرحمن حتى الساعة، وفي بعض الأيام يبلغ عدد المسافرين خمسمائة فتهيأ لهم الضيافة جميعاً.

وذكر هذه الضيافة القزويني المتوفى سنة 682هـ، في كتابه ( آثار البلاد وأخبار العباد ) فقال: ( الخليل اسم بلدة بها حصن وعمارة بقرب بيت المقدس، فيها قبر الخليل عليه السلام في مغارة تحت الأرض، وفي الموضع ضيافة للزوار) ( ص 187 ) وكتب صفي الدين بن عبد الحق عام 700 هـ، في كتابه ( المراصد ) يقول: الخليل بلدة بها حصن عمارة وسوق وبينها وبين القدس يوم، فيها قبر الخليل وإسحق ويعقوب ويوسف في مغارة تحت الأرض … وعلى المغارة بناء عليه سور دائري متسع، به قُوّام وضيافة لمن يقصده، وظيفة دارة في كل يوم.

وزار الخليل شهاب الدين بن فضل الله العمري سنة 745هـ، فقال: ويمد فيه كل يوم بعد العصر سماط، ويفرق من الخبز على الواردين بحسبهم على قدر كفايتهم، قال: ولقد زرت الخليل في ذي الحجة سنة 745هـ فأخبرني بعض المباشرين أنه وفي بعض الليالي العشر من هذا الشهر في هذه السنة فرقوا زيادة على ثلاثة عشر ألف رغيف، وأن غالب أيام العام ما بين السبعة آلاف والعشرة آلاف، ويفرق أيضاً مع الخبز طعام العدس بالزيت الطيب والسمّاق، وفي بكرة النهار يطبخ أيضاً مع قدر من الدشيش، ويفرق على الواردين، وفي بعض أيام الأسبوع يطبخ ما هو أفخر من ذلك، قال: وله خدام برسم غربلة القمح وطحنه وعجينه وخبزه لا ( يُبَطّلون ) ليلاً ولا نهاراً، وأهراء ( جمع هُرْي، بيت كبير) القمح والطاحون والفرن نافذ بعض ذلك إلى بعض، بحيث إن القمح يفرغ في الأهراء ويخرج خبزاً مخبوزاً ولم يزل على هذا مدى الشهور والأعوام والليالي والأيام لا ينقطع له مدد، ولا يحصر بضبط ولا عدد.

وذكر صاحب ( الضوء اللامع ) أن السماط الخليلي في زمن الملك الظاهر جقمق (842-857ق) يعمل فيه في يوم الجمعة الأرز المفلفل، والحب رمان، والعدس في كل يوم وفي الأعياد تعمل الأطعمة الفاخرة.

وقال صاحب كتاب ( زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك ) غرس الدين خليل بن شاهين المتوفى سنة 873هـ، يصف مدينة الخليل ، ومغارة الأنبياء ( وله أوقاف كثيرة وخدام ويمد به سماط الخليل عليه السلام في كل يوم، حتى أنه لو ورد ذلك المكان أهل الدنيا لفاضت البركة على السماط إلى أن يكفيهم ).

وذكر نقولا زيادة في كتابه ( رواد الشرق العربي ) ص 200/201، أن الراهب فلكس فابري زار الخليل سنة 1480م وقال: نزلنا الخليل وشاهدنا نزلها الكبير الكثير الغرف ورأينا المطبخ والفرن، وكانوا يعدون طعاماً كثيراً لمن يقصد المكان، ولهذا النزل واردات سنوية تبلغ قيمتها أربعة وعشرين ألفاً من ( الدوكات ) ويخبز فيه كل يوم ألف ومئتان من الأرغفة توزع كلها على من يطلب ولا يمنع أي إنسان من هذا ( الإحسان مهما كان مذهبه أو دينه أو جنسه وكل من يطلب طعاماً يقدم له رغيف خبز وشيء من الزيت وبعض الحساء أو المعجنات، وعندما يحين وقت توزيع الخبز يضرب الطبل للفت نظر الناس وقد أرسل القائمون على أمر النزل سكة من الخبز إلى الخان الذي نقيم فيه مع أننا لم نطلب منهم شيئاً.

- وآخر من وصف السماط الخليلي، مجير الدين الحنبلي المتوفى سنة 928هـ في كتابه (الأنس الجليل، بتاريخ القدس والخليل )، ج1/62 وهو من أهل القدس، ويصف ما رأى في زمانه، فيقول: ( وبجوار المسجد الجاولي بالخليل من جهة القبلة المطبخ الذي يعمل فيه الدشيشة ( القمح المسلوق )، للمجاورين والواردين، وعلى باب المطبخ تدق الطبلخاتة في كل يوم بعد صلاة العصر عند تفرقة السماط الكريم، وهذا السماط من عجائب الدنيا، يأكل منه أهل البلد والواردون، وهو خبز يعمل في كل يوم ويفرق في ثلاثة أوقات: بكرة النهار، وبعد الظهر لأهل المدينة، وبعد العصر تفرقة عامة لأهل البلد والواردين، ومقدار ما يعمل فيه من الخبز كل يوم أربعة عشر ألف رغيف ويبلغ إلى خمسة عشر ألف رغيف في بعض الأوقات … وأما السبب في دق الطبلخانة كل يوم عند تفرقة السماط بعد العصر، فيقال إن الأصل في ذلك أن إبراهيم عليه السلام، لما كانت تأتيه الضيوف ويصنع لهم الطعام، ويكونون متفرقين في المنازل التي أنزلهم فيها، فإذا قصد إطعامهم دق الطبل ليعلموا أنه هيأ لهم الطعام فإذا سمعوا بادروا واجتمعوا لأكل سماطه، فصارت سنة بعده تعمل في كل يوم عند تفرقة السماط… وعلى باب المسجد الذي تدق عند الطبلخانة المكان الذي يصنع فيه خبز السماط من الأفران والطواحين وهو مكان متسع يشتمل على ثلاثة أفران وستة أحجار للطحن ، وفوق هذا المكان الحواصل التي يوضع فيها القمح والشعير، ورؤية هذا المكان علواً وسفلاً من العجائب فإنه يدخل إليه بالقمح فلا يخرج منه إلا وقد صار خبزاً.   

وأما الاهتمام يعمل السماط من كثرة الرجال … فذلك من العجائب لا يكاد يوجد مثل ذلك عند ملوك الأرض، ولا يستكثر مثل ذلك في معجزات هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.

- وفي العصر التركي أصبح السماط يدعى ( تكية سيدنا الخليل ) وهي قائمة حتى اليوم وما زالت تقدم أكلها التقليدي الدشيشة والخبز، وفي رمضان والأعياد تقدم أكلاً خاصاً يشتمل على اللحوم، وتشرف دائرة أوقاف الخليل على التكية في الوقت الحاضر.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات الأستاذ المؤرخ محمد محمد حسن شراب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر