مبالغات القراءات الفكرية لما حدث في قطاع غزة

كتبهاالصقر الحر ، في 10 أغسطس 2007 الساعة: 17:30 م

 

بقلم د. بشير موسى نافع

ثمة سيل لا ينتهي من الكتابات العربية التي تعالج حادثة سيطرة حماس على قطاع غزة. فتتغذى هذه الكتابات، في إحدى وجوهها، من رفض معسكر الرئيس عباس التحرك من أجل إعادة الوحدة السياسية بين الضفة والقطاع، مدفوعاً على الأرجح برغبة في بقاء الوضع على ما هو عليه.

ما يسعى إليه عباس هو محاولة نزع الشرعية عن حماس، وتهميش المجلس التشريعي، ومن ثم التحرر من أية ضغوط وكوابح داخلية ملموسة، تحد من تحركه باتجاه سراب التسوية الشاملة. ولكن هذا ليس هو الوجه الوحيد لهذه الكتابات؛ فعلى نحو أو آخر، يمثل ما حدث في قطاع غزة حلقة جديدة من حلقات تجلي حركة الإسلام السياسي، التي لا تزال تعصف بالعقل والثقافة العربية (والإسلامية) منذ مطلع السبعينيات على الأقل.

فبالرغم من الحجم الهائل للكتابات، الأكاديمية وغير الأكاديمية، المكرسة لدراسة الظاهرة الإسلامية السياسية، سواء باللغة العربية أو اللغات الإسلامية الأخرى أو اللغات الأوروبية الرئيسية، ثمة اضطراب ملحوظ في فهم هذه الظاهرة.

إن من الخطأ، بالطبع، تجاهل حقيقة أن التيار الإسلامي السياسي هو تيار حديث نسبياً، ويمثل بالتالي ظاهرة لم تنضج بعد. وباعتباره جزءاً من تطورات العالم الحديث، من الصعب وضع الإسلام السياسي في قالب واحد، أو في أنموذج مثالي، إن جاز استخدام الاصطلاح الفيبري. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن من المسوغ، افتراق القراءات التفسيرية للقوى الإسلامية السياسية وسلوكها السياسي بالطريقة التي نشهدها.

تقع المعضلة الرئيسية لقراءات التيار الإسلامي السياسي في الارتباط المفترض والمستقر بين ما هو إسلامي وما هو سياسي. يؤسس هذا الارتباط، بوعي أو دون وعي، لإضفاء قدسية خاصة وحصرية على سياسات القوى الإسلامية وسلوكها السياسي في شكل عام؛ فالإسلام دين ومعتقد، وهو دين الأكثرية في المجتمعات العربية ـ الإسلامية، التي تري أنه الدين الذي ارتضاه الله في عليائه للناس؛ وليس من المستغرب بالتالي أن يوفر هذا الارتباط بين ما هو سياسي وما هو ديني قداسة من نوع خاص.

ولعل واحدة من أبرز اعتراضات المعترضين، أنظمة ومثقفين وقادة رأي، على القوى الإسلامية السياسية يتعلق بهذه القداسة المفترضة؛ إذ كيف يمكن لمن يرجع إلى آدم سميث أو كارل ماركس أن يستطيع رفض مقولات وسياسات من يرجع إلى الله ورسوله وشريعته. والحقيقة أن أغلب التعليقات التي تناولت، وتتناول، مسألة غزة، تستبطن الإشكالية التي تفرضها القداسة المفترضة التي تحيط بالتيار الإسلامي السياسي.

بعض من أعلنوا تأييدهم المطلق لحسم الوضع في قطاع غزة لصالح حماس انطلقوا من منطلق ديني بحت، بمعنى أنهم رأوا في العملية حقاً إسلامياً شرعياً متأخراً، أو انتصاراً للحق الإسلامي على باطل الأجهزة وما تمثله.

من وجهة النظر هذه، ليس هناك ثمة مجال للجدل حول الدوافع السياسية لما حدث، حول الطريقة التي حدث بها ما حدث، وحول النتائج القريبة أو البعيدة لهذا التطور البارز في الساحة الفلسطينية.

وعلى الجانب الآخر، جانب المعارضين والمنتقدين، وبغض النظر عن سعي البعض إلى مسايرة الأهداف الحقيقية للرئيس عباس، هناك أيضاً مبالغة كبيرة في خطاب الشجب والإدانة، بل ولجوء كاريكاتيري أحياناً لخطاب قيامي، يرى في سيطرة حماس على قطاع غزة نوعاً من النهاية، نهاية قضية، نهاية حركة وطنية، نهاية شعب، وبالطبع نهاية الوهم الديمقراطي للإسلام السياسي.

في قلب هذه المبالغة تقف فرضية القداسة تلك: إذ كيف يمكن لحركة إسلامية، حركة تستند إلي مرجعية دينية مثالية، أن تجترح هذا العمل الدنيوي البحت، أن تخوض معركة مسلحة ضد أجهزة أمنية، أجهزة استثمرت فيها قوي غربية رئيسية جهداً ومالاً وتدريباً، وأن تنتصر عليها.

بكلمة أخرى، تبدو هذه المبالغة في الشجب والإدانة، كأنها وليدة التسليم المسبق بقداسة الإسلام السياسي، بغض النظر عن الموافقة على سياسات الإسلاميين والاختلاف معها.

إن من الضروري لفهم هذه الإشكالية، الإقرار أولاً بأنها غير مصطنعة، وأنها تعود في جذورها إلى اللحظة الأولى لولادة التيار الإسلامي السياسي. وليس هناك شك أن اللحظة تلك ترتبط بتأسيس حركة الإخوان المسلمين (أو جمعية الإخوان المسلمين، كما كانت تعرف آنذاك) في نهاية العشرينات.

قبل الإخوان المسلمين لم يكن هناك تيار إسلامي سياسي بالمعنى الذي نعرفه الآن؛ وقد انحصرت التعبيرات الإسلامية السياسية عموماً قبل الإخوان في سياسات الدولة والحكم، أو الجمعيات والشخصيات ذات التوجه الإصلاحي، التي كانت تعارض سياسات الدولة والحكام في شكل جزئي إلى حد كبير؛ وكلا الطرفين على أية حال كان ينطلق ضمناً من مرجعية إسلامية.

كانت لحظة تأسيس التيار الإسلامي السياسي لحظة مشتبكة وملتبسة. تشير الأدلة المتوفرة على أن الشاب حسن البنا لم يكن يحمل تصوراً محدداً في البداية لما يمكن أن تصبح عليه الجمعية، بل ولم ينخرط الإخوان في الحياة السياسية المصرية بالفعل إلا في نهاية الثلاثينيات، بعد مرور عقد كامل على التأسيس.

كان هدف البنا الأولي، متأثراً بجمعية الشبان المسلمين التي كان عضواً فيها، نشر القيم الأخلاقية الإسلامية، العمل الخيري الاجتماعي، ومواجهة النزعات المتغربة في سلوك وحياة المجتمع المصري المسلم. ولكن لحظة التأسيس جاءت أيضاً في ظل مناخ جديد أحاط برؤية المسلمين لأنفسهم ولعلاقتهم بالعالم من حولهم، مناخ الإسلام تحت التهديد، الذي يعود في أصوله إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، وإلى نهايات ذلك القرن بالتأكيد.

فبالرغم من أن ميزان القوي أخذ في الانقلاب لصالح القوي الأوروبية منذ النصف الثاني للقرن الثامن عشر، فإن تراجع وخسارة المسلمين أمام التقدم الإمبريالي الأوروبي خلال القرن التاسع عشر، كانت بالغة.

ولأن الغزو الأوروبي هذه المرة صاحبته تيارات فكرية وثقافية، وأنماط إدارة وتنظيم وعلاقات وحياة، جديدة ومخالفة لنظام القيم الإسلامية، فقد ولد التراجع الإسلامي شعوراً جمعياً بالخطر، وبأن الدين نفسه بات مهدداً. ولم تكن هذه ظروف تأسيس الإخوان المسلمين وحسب، بل وكل القوى الإسلامية السياسية التي برزت خلال النصف الأول من القرن العشرين: الإخوان المسلمون في العالم العربي، الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية، الحزب الإسلامي في ماليزيا، وحزب التحرير.

البداية الدعوية للتيار الإسلامي السياسي، الشعور الجمعي المتصاعد بالتهديد، والتوجه التدريجي نحو المجال السياسي، أسس للارتباط بين الدين وسياسات القوى الإسلامية؛ بمعنى رؤية عمل هذه القوي السياسي باعتباره حراسة للدين وحماية لميراثه.

والمدهش أن هذه الفرضية استبطنها كلا طرفي الجدل والتدافع حول موقع ودور القوى الإسلامية السياسية: الإسلاميون وخصومهم علي السواء. بل إن الاتهامات المتكررة بأن الإسلاميين يحتكرون الدين، والأساليب البشعة التي وظفتها الأنظمة المعادية للقوي الإسلامية السياسية، ضخمت من التماهي بين الإسلاميين والإسلام.

هذا الميراث الملتبس يحتاج الآن مراجعة على كل مستوياته. الإسلام كدين ليس معرضاً للتهديد، لا من القوى الخارجية ولا من الأنظمة الحاكمة والتيارات العلمانية.

بعد أكثر من قرن ونصف القرن على الصعود الإمبريالي الغربي، ووقوع أغلب بلاد المسلمين تحت السيطرة الأجنبية، لا يزال الإسلام ديناً بالغ الحيوية، سواء فيما يتعلق بقدرته علي الاستجابة لمتغيرات الاجتماع الإسلامي، أو فيما يتعلق بمرجعية إيمان الأغلبية العظمي من أبنائه.

ربما يمكن الجدل بأن القوى الإسلامية السياسية قد ساهمت بالفعل في الحفاظ على مقدرات الدين، ولكن الحقيقة أن هذا الدور كان صغيراً. حماية الدين هي مسألة بالغة التعقيد، ومن الصعب قراءة الأدوار المختلفة في هذه العملية التاريخية الكبرى.

الواضح، على أية حال، أن الاجتماع الإسلامي، والاجتماع الإسلامي السني علي وجه الخصوص، تشكل منذ القرون الإسلامية المبكرة، بحيث جعل الأمة/الجماعة ككل مستودعاً للدين: الجماعة بعلمائها، بفقهائها، بأسرها، بدعاتها، بمتصوفيها، وبميراثها المكتوب والمنقول شفاهة وسلوكاً.

الفرضية المستبطنة بالربط بين وجود القوى الإسلامية السياسية وحراسة الدين، لا بد أن توضع موضع التساؤل، بل ولا بد أن تنتهي. فما الذي تمثله القوى الإسلامية السياسية إذن، كيف يمكن أن تقرأ وعلى أي أساس تحاسب؟

إن الحقبة التي تعيشها المجتمعات الإسلامية منذ أكثر من قرن، من جهة علاقة السياسة والدولة بالمرجعية الإسلامية، هي حقبة غير مسبوقة. وهو ما يعني أن ليس ثمة سابقة تاريخية يمكن القياس عليها على وجه اليقين.

التعريف الذي وضعه فقهاء السياسة المسلمون من أن وظيفة الإمامة (نظام الحكم) هي حراسة الدين وسياسة الدنيا، لم يعد تعريفاً صحيحاً للدولة. إذ فوق أن طبيعة الدولة قد تغيرت إلى حد كبير، بعد أن أصبح نظام الدولة الحديثة هو النظام السائد، فإن عدداً قليلاً جداً من الدول الحاكمة في البلاد الإسلامية يعتبر الإسلام مرجعية له.

ما يعنيه هذا أن من حق المسلمين ممارسة العمل السياسي على أساس من مرجعية إسلامية، تماماً كما أن هذا الحق قد أعطى منذ زمن طويل في أغلب الحالات للعمل السياسي على أساس من مرجعية ماركسية، أو اشتراكية، أو ليبرالية من كافة الأنواع.

التنظيم والعمل السياسي انطلاقاً من المرجعية الإسلامية، وبتفسيرات متعددة لما تعنيه هذه المرجعية، لابد أن يعترف به، باعتباره حقاً ابتدائياً ومطلقاً. هذا لا يعني، ولا يجب أن يعني، احتكار فئة معينة للدين، أو الحديث باسمه. هذا عمل سياسي بحت، سياسة للدنيا كما قال الماوردي، ولا يتعلق بالإيمان والكفر أو التمثيل الحصري للإسلام. وليس لهذا العمل قداسة من أي نوع، طالما أنه يجري ضمن ما يتعارف عليه شعب ما علي أنه المجال السياسي العام.

وكما تحاسب القوى السياسية ويحاسب السياسيون في ضوء مرجعياتهم القيمية، تحاسب القوى الإسلامية السياسية ويحاسب الإسلاميون على أساس من التزامهم بمرجعياتهم القيمية.

السياسي الغربي الذي يدعو إلى الالتزام بقيم العائلة، أو الذي يسعي إلى حماية حقوق الطبقة العاملة، ويخل بما تعنيه قيم العائلة أو مصالح الطبقة العاملة، يحاسب بدرجة وفي شكل لا يحاسب به من لا يعترف بقيم عائلية ثابتة أو بحقوق خاصة للطبقة العاملة.

وهكذا يمكن أن تحاسب القوى السياسية الإسلامية عندما تتعارض ممارساتها السياسية بالقيم والأهداف التي تدعو إليها. بغير ذلك، نعود مرة أخرى إلى إشكالية الارتباط المفترض بين القوى الإسلامية السياسية والدين. بهذا يمكن أن نقرأ التطور الذي شهده قطاع غزة في حزيران (يونيو) الماضي. ثمة انتقادات لابد أن توجه للطريقة التي حسمت بها حماس الأمور.

ولكن أحداً لا يجب أن يغفل حقيقة الصراع على القوة، والمحاولات المستمرة منذ أكثر من عام لمنع من فاز في الانتخابات من ممارسة حقه في الحكم. ما قامت به حماس هو في جوهره انعكاس سياسي طبيعي لأزمة الحكم والقوة في سياق فلسطيني استثنائي؛ وهذا سلوك سياسي طبيعي لقوة سياسية حديثة بامتياز
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : السياسة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر