اتفاق مكة … مرجعية عربية

كتبهاالصقر الحر ، في 10 أغسطس 2007 الساعة: 18:14 م

بقلم د. بشير موسى نافع

يعتبر اتفاق مكة حدثاً فلسطينياً هاماً بلا شك. فمنذ تصاعدت الخلافات بين الحكومة التي تقودها حركة حماس والفئة السياسية الملتفة حول الرئيس محمود عباس خلال الشهور الماضية، كان من الواضح أن هناك جهداً حثيثاً لإشعال فتنة بين فتح وحماس.

ليس ثمة مصلحة لفتح في الصدام مع حماس، فبالرغم من توقيعها أوسلو وقيادتها سلطة الحكم الذاتي، ما زالت فتح قوة فلسطينية وطنية مناضلة. ولكن الفلسطينيين، أكثر الشعوب العربية تسيساً وحرصاً، سمحوا لأنفسهم في النهاية بالانحدار إلى هوة الاقتتال الداخلي.

بهذا المعنى، وضع نهاية سريعة لموت الفلسطينيين بيد الفلسطينيين، وإيجاد مخرج للأزمة السياسية المستحكمة بين الحكومة والرئيس، كان اتفاق مكة انجازاً فلسطينياً كبيراً. قد يقول البعض إن حكومة الوحدة الوطنية كانت الخيار الأفضل منذ كانون الثاني (يناير) 2006م، عندما فازت حماس في الانتخابات التشريعية وكلفت بتشكيل الحكومة، وأن كل من ساهم في تعطيل حكومة الوحدة الوطنية لابد أن يتحمل مسؤولية تاريخية ثقيلة.

هذا صحيح بالطبع، ولكن الحقيقة أن قصر النظر السياسي أصاب أغلب أطراف الساحة الفلسطينية السياسية آنذاك، وظن كل منها أن تطورات الأمور سرعان ما ستصب لصالحه. ولكن ما حدث أن تطورات الأمور لم تصب لمصلحة أحد، وأصبح على الفلسطينيين تعلم درس من أعمق الدروس ألماً. هذا الألم والفزع الشعبي هو الذي حول المدن الفلسطينية عشية الإعلان عن توقيع الاتفاق إلى ميادين فرح جماعي، وكأن الجماهير الفلسطينية، باحتفالها الصاخب، ترسل رسالة تحذير أخيرة لأطراف الفتنة.

بيد أن الاتفاق لابد أن يُرى باعتباره حدثاً عربياً كبيراً أيضاً، وربما أكثر بكثير مما هو فلسطينياً. الذين أثار الاتفاق اهتمامهم عربياً، رأوه كذلك لأسباب مختلفة. البعض، سيما الدوائر المرتبطة بالعربية السعودية، وجد في الاتفاق توكيداً جديداً، طال انتظاره، على أهمية الدور السعودي، وعلىي ثقل المملكة وقدرتها على التصدي حتى لأعقد المشاكل العربية.

ووجد البعض الآخر في الاتفاق، خطوة سعودية ـ مصرية كبرى لاستعادة الدول العربية الرئيسية المبادرة من إيران، بعد أن حققت الأخيرة مكاسب سياسية عدة في الساحة العربية، بدءاً من تعزيز التحالف بين طهران ودمشق، إلى النصر الكبير الذي حققه حزب الله ضد العدوان الإسرائيلي على لبنان في الصيف الماضي، وصولاً إلى الدعم الإيراني الكبير لحكومة حماس الفلسطينية في مواجهة حصار دولي وعربي متفاوت على الفلسطينيين.

وقد بدا خلال الشهور القليلة الماضية أن الساحة الفلسطينية قد أفرغت عربياً إلى حد كبير، وتركت مفتوحة فعلياً لعدوان عسكري إسرائيلي مستمر، نشاط سياسي أمريكي لا يؤدي إلى هدف محدد، ودعم سوري سياسي وإيراني سياسي ومالي.

مبادرة المصالحة السعودية، وتوصل هذه المبادرة إلى اتفاق بين الطرفين الفلسطينيين الرئيسيين، وتوقع قيام السعودية بكسر الحصار المفروض على الحكومة والشعب الفلسطيني، بكل ما يعنيه هذا التطور على صعيد القرار العربي والدولي، يصب جميعه في إطار تحجيم دور طهران في الساحة الفلسطينية.

لأولئك القلقين من اتساع النفوذ الإيراني في المنطقة، ولأولئك الذين يعملون علي التمهيد لعزل إيران وتوجيه ضربة أمريكية لها، يعتبر اتفاق مكة إنجازاً سعودياً كبيراً. ربما يمكن بالفعل استشفاف مثل هذه الأبعاد لاتفاق مكة، ولكن الاتفاق يحمل دلالات أخرى أكثر أهمية على توجهات السياسة العربية.

إن الجانب الرئيسي للمبادرة السعودية، أنها جاءت في خلاف مع الإرادة الأمريكية. رفضت واشنطن القبول بنتائج الانتخابات الديمقراطية الفلسطينية التي دعت إليها وشجعت على عقدها، رفضت التعامل مع الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حماس، وفرضت حصاراً كاملاً علي الحكومة، كما ضغطت من أجل أن تحذو دول الاتحاد الأوروبي حذوها. وعندما بدا أن الحكومة قادرة على الصمود، وأن الشعب الفلسطيني يرفض تقديم تنازلات سياسية من أجل استعادة المساعدات الغربية المالية، دفعت الإدارة الأمريكية باتجاه إفشال الحوار الوطني الفلسطيني الداخلي، الذي أوشك التوصل إلى اتفاق حول تشكيل حكومة وحدة وطنية.

وربما يمكن القول إن السياسة الأمريكية خلال الفترة القصيرة الماضية، تبلورت في اتجاهين: اتجاه العمل السياسي، العربي والفلسطيني، المستهدف إسقاط حكومة حماس، باستخدام كافة وسائل الحصار والضغط والحملات الدعائية، وصولاً إلى عقد انتخابات مبكرة، مزيفة أو غير مزيفة؛ وفي حال فشل الخيار السياسي في إسقاط الحكومة، يتحول الحصار والضغط إلى حرب فلسطينية داخلية سافرة بين أجهزة السلطة الأمنية وبعض قطاعات مسلحة تتبع أوساط معينة في حركة فتح، من جهة، وحركة حماس والقوة التنفيذية التابعة لحكومتها، من جهة أخرى.

وبالنظر إلى حجم السلاح المرسل للأجهزة الأمنية وحرس الرئاسة منذ الصيف الماضي، فربما يمكن الاستنتاج بأن انفجار الصراع في قطاع غزة مؤخراً استهدف إسقاط حكومة حماس وتجريد جناحها العسكري والقوة التنفيذية من السلاح أيضاً.

هذه السياسة فشلت، فشلت أولاً على الأرض، بمعنى أن حماس لم تهزم عسكرياً، بل استطاعت بسط سيطرتها علي معظم قطاع غزة. كما فشلت سياسياً عندما دعت السعودية إلى مفاوضات فلسطينية ـ فلسطينية في مكة المكرمة. وبمجرد وصول الأطراف إلى البلد الحرام، كان من الواضح أنهم لن يخرجوا بدون اتفاق؛ وهو ما حدث بالفعل.

أغلب الأطراف الدولية، بما في ذلك عدد من دول الاتحاد الأوروبي، وكل الدول العربية، إضافة إلى روسيا والصين، رحب بالاتفاق. القوة الدولية الوحيدة التي اختارت الإحجام عن الترحيب بالاتفاق، بل وعادت إلى تكرار شروط الرباعية المعهودة، هي الولايات المتحدة. ما دفع واشنطن إلى التفرد (إلى جانب الدولة العبرية، بالطبع)، أن الإدارة الأمريكية لم تكن تريد تشكيل حكومة وحدة وطنية أصلاً، ولكن التخلص نهائياً من حماس.

ما جاء به الاتفاق، إذن، يتعارض مع السياسة الأمريكية (المعلنة وغير المعلنة)، وذلك بتوفير شرعية فلسطينية إجماعية لحكومة الوحدة الوطنية، إلى جانب الشرعية العربية؛ والأخيرة بالذات لم تكن متاحة في شكل صريح، لا لحكومة حماس، ولا لحكومة الوحدة الوطنية التي كان يمكن أن تولد من الحوار الوطني الجاري منذ شهور في قطاع غزة. الأمر الثاني، أن هذا الاتفاق لم يتضمن أي تنازل جوهري من جانب حماس، لا على المستوي السياسي ولا على مستوى تشكيل الحكومة.

الشكل الذي اتفق عليه لحكومة الوحدة الوطنية، يكاد يكون الشكل نفسه الذي كان لدى حماس الاستعداد للموافقة عليه منذ محاولة ما بعد الانتخابات الفاشلة، كما أن النصوص الخاصة بالمسائل الإشكالية التي تم الاتفاق عليها في رسالة التكليف، تكاد تكون النصوص نفسها التي أعربت حماس عن الموافقة عليها في جلسات الحوار الوطني.

الخطوة السعودية ليست خطوة معزولة، فهناك تأييد واضح، وربما تفصيلي، لها من القاهرة. وإلى جانب قطر، التي بذلت جهداً سابقاً للتوصل إلى اتفاق فلسطيني، فإن دولاً أخرى في مجلس التعاون الخليجي تقف إلى جانب الجهد السعودي.

وبالرغم من أن دمشق أخذت بعض الوقت لتعلن تأييدها لاتفاق مكة، فإن الموقف السوري يدل دلالة واضحة على بروز إجماع عربي خلف الاتفاق. السؤال هو لماذا الآن، لماذا تحركت السعودية فلسطينياً مثل هذا التحرك في خلاف مع الموقف الأمريكي؟ الإجابة ربما تستدعي العودة إلى منتصف التسعينيات عندما دشن لقاء الإسكندرية بين مبارك وفهد وحافظ الأسد الكتلة العربية الثلاثية التي قادت السياسة العربية حتى غزو العراق في ربيع 2003م.

عندها، كانت العواصم العربية الثلاث قد توصلت إلى قناعة بأن الانقسام العربي الناجم عن مسألة الكويت وحرب الخليج الأولى قد استمر طويلاً وبات يهدد المصالح العربية في جوهرها، وذلك بعد أن تحول اتفاق أوسلو إلى تحرك لفرض سلام بلا مقابل على كل الساحة العربية، وإلى مشروع شرق أوسطي يمهد لهيمنة إسرائيلية اقتصادية وسياسية على المنطقة. ولدت الكتلة الثلاثية لمواجهة هذا الخطر ووضع حد للانتشار الإسرائيلي، وقيادة السياسة العربية على أساس الحد الأدنى من التفاهم.

ما تشهده المنطقة الآن شبيه بتلك الظروف. فبعد أن تورط عدد من الدول العربية، بما في ذلك مصر والسعودية، في تأييد الغزو الأمريكي للعراق، تقف المجموعة العربية اليوم بذهول أمام ما وصلت إليه الأوضاع العراقية، ليس فقط علي مستوى الدمار والتهجير والموت، بل أيضاً علي مستوى الانقسام الاثني والطائفي، الذي إن سمح به فلن يقتصر علي العراق بأي حال من الأحوال.

تقسيم العراق، كما يعرف السعوديون والخليجيون والسوريون والإيرانيون والأتراك، سينقلب وبالاً علي كل دول المنطقة وشعوبها. أما في فلسطين، فالأرجح أن فوز حماس في الانتخابات لم يسعد الأغلبية العظمى من الدول العربية. ولكن أياً من هذه الدول، ومصر والسعودية علي وجه الخصوص، لا تريد ولا تقبل تحول الخلافات الفلسطينية إلى حرب أهلية، مهما كان من يقف وراء محاولات إشعال هذه الحرب.

وإلى جانب فلسطين والعراق، ثمة خطر كامن لاندلاع حرب أهلية في لبنان، وخطر متصاعد يهدد وحدة السودان وتماسكه. الرياض والقاهرة، وبغض النظر عن المخططات الأمريكية، تستشعر القلق من تزايد النفوذ الإيراني في عدد من دول المشرق العربي، وأيضا تزايد الدور التركي.

مثل هذا التراجع العربي ما كان له أن يبرز بالصورة التي يحدث بها، لولا الفراغ الذي تركه انسحاب الدول العربية الرئيسية من الساحة العربية، إما لخطأ في التقدير أو مراعاة للحليف الأمريكي.

بكلمة أخرى، ما تراه الرياض والقاهرة اليوم يتمثل في تدهور للأوضاع والمصالح العربية، بما يمس أسس الأمن العربي الجماعي، هو في جوهره نتاج السياسة الأمريكية في المنطقة أكثر من أي شيء آخر. ومن هنا يأتي التحرك السعودي السريع لإعادة ضبط الوضع الفلسطيني.

هل هي صحوة عربية إذن، هل نحن إزاء تحرك سعودي ـ مصري شامل لتوكيد الإرادة العربية في موازاة السياسة الأمريكية، التي تعيش فشلاً متفاقماً في العراق، وتلقت هزيمة بالغة في لبنان؟

ليس بالإمكان تقديم إجابة قاطعة على هذا السؤال، ولكن الواضح أن إعادة بناء جادة للسياسة العربية تستدعي إعادة سورية إلى الحضن العربي، وبالتحديد إعادة بناء تفاهم دول الكتلة الثلاثية.

بدون هذا التفاهم سيصعب التوصل إلى حل للمشكلة اللبنانية، ولا إلى تصور عربي مشترك لمستقبل العراق، ومن ثم التعامل مع القضايا الأقل إلحاحا. وبدون هذا التفاهم، حتى الاتفاق الفلسطيني الداخلي سيكون عرضة للمخاطر على المدى المتوسط والبعيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : السياسة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “اتفاق مكة … مرجعية عربية”

  1. جئت فقط للسلام والاطمئنان

    وليدوم التواصل بيننا

    بكل الود وبكل الحب احييك

    وادعو الله عز وجل ان يديم عليك الصحة والعافية

    وان يحقق لك كل ما تصبو اليه من خير الدنيا والاخرة

    وتقبل مني كل التقدير وكل الاحترام



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر