الإبداع الفكرى فى وصية " أُمامة بنت الحارث "
كتبهاالصقر الحر ، في 2 يناير 2008 الساعة: 15:15 م
هذه الوصية تعد من أفضل الوصايا وأكملها في موضوعها، وهي تمثل تحفة أثرية فكرية حية ، تجب على الأجيال مدارستها ، والتمعن بدقة والتوغل في مراميها ، وليس وقوفا لفظيا عابرا لا يكشف عن عمق دلالاتها , فالتهميش لهذا الرصيد التراثي يعد قطعا للتواصل بين ماضي الأمة وحاضرها .
فدخول الأمة هي مرحلة التراجع الحضاري يعني الكف عن تجديد الهوية وبعثها ، ويعمل على تشويه المستجدات الإبداعية .
فالوصية خطوة تهدف إلى تنمية إنسان جعلت تنميتها ذات أولوية مطلقة .
وفي هذه الوصية منفعة في الحض على طاعة الزوج ، وحسن التبعل ، والقيام بخدمته وإحسان معاشرته ، وإيثار ما يهواه لتقتدي بذلك من النساء من بلغها خبر هذه الوصية حتى تتأسى بها ؛ فتقر أعين أزواجهن بهن .
والوصية مظهر من مظاهر العلاقة ، والحث على البذل في سبيلها من تضحية نفسية ومالية، فالأم لم ترد العبودية لابنتها كما قد يتوهم بعضهن ، أو كما شحنتهن المؤتمرات النسائية التي تعقد هنا أو هناك ، فأفرغت المرأة من القيم ، وعبأتها بأقاويل جوفاء لا يهدف مروجوها إلا إلى إخراج فتاة ذات سفسطة متعالمة بحقوقها وهي تهوي بها في منحدر التفكك والتيه .
نص الوصية
لما حان أن تُحمل "أم إياس" إلى زوجها "الحارث بن عمرو" ملك كندة ، خلت بها أمها أمامة بنت الحارث ، وقالت توصيها :
أي بُنية ، إن الوصية لو تركت لفضل أدب تُركت لذلك منك ، ولكنها تذكرة للغافل ، ومعونة للعاقل .
ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها ، وشدة حاجتهما إليها ، كنت أغنى الناس عنه ، ولكن النساء للرجال خلقن ، ولهن خلق الرجال .
أي بنية ، إنك فارقت الجو الذي منه خرجت ، وخلَّفت العش الذي فيه درجت ، إلى وكر لم تعرفيه ، وقرين لم تألفيه ، فأصبح بملكه عليك رقيبا ومليكا ، فكوني له أمة يكن لك عبدا وشيكا.
يا بنية ، احملي عني عشر خصال تكن لك ذخرا وذكرا :
الصحبة بالقناعة ، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة ، والتعهد لموقع عينه ، والتفقد لموضع أنفه ، فلا تقع عيناه منك على قبيح ، ولا يشم منك إلا أطيب ريح ، والكحل أحسن الحسن ، والماء أطيب الطيب المفقود ، والتعهد لوقت طعامه ، والهدوء عنه عند منامه ، فإن حرارة الجوع ملهبة ، وتنغيص النوم مغضبة ، والاحتفاظ ببيته وماله ، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله ، فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير ، والإرعاء على العيال والحشم حسن التدبير ، ولا تفشي له سرا ولا تعصي له أمرا ، فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره ، ثم اتقي مع ذلك الفرح إن كان ترحا، والاكتئاب عنده إن كان فرحا ، فإن الخصلة الأولى من التقصير ، والثانية من التكدير . وكوني أشد ما تكونين له إعظاما ، يكن أشد ما يكون لك إكراما ، وأشد ما تكونين له موافقة ، يكن أطول ما تكونين له مرافقة . واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك ، وهواه على هواك ، فيما أحببت وكرهت ، والله يخير لك .
الإبداع الفكري في الوصية ..
1- بناء الوعي
في بؤرة اللاشعور تحركت لدى الأم نوازع فطرتها ، وبكل تلقائية أسهمت في فتح دائرة الانغلاق لدى ابنتها المقبلة على حياة جديدة ) فالانغلاق يسهم مساهمة فعالة في تشكيل عقلية ( البعد الواحد ) . فأرادت الأم إزاحة الستر التي أحاطت بها ابنتها طيلة حياتها حفاظا عليها .
وها هي قد وصلت بها بعد رحلة السنين ، وآن لها أن تسلم ابنتها زمام أمرها ، فتقود هي حياتها بذاتها ، فأخذت توقظ في ابنتها حس المسؤولية ، وتلقي التبعة ، وتشعل فيها وهج " الوعي بالذات " بعدما أوقفتها عند ( حدود ذاتها ) .
وذلك عن طريق إقامة جسور التواصل مع ( القرين ) فالجهل بحقه ، وعدم إدراك الطريقة المثلى للتعامل معه سوف يحرمها جزءا من وعيها بذاتها ، أوقد تفقد سعادة هذه الذات .
" إن النجاح مع الآخرين ، أو الإخفاق معهم لن تدرك حجمه إلا من خلال الانفتاح على الآخرين انفتاحا يمكننا من رؤية نافذة إلى جوهر ما هم عليه ، ويمكننا من حل الأزمات الداخلية ، فلابد من استيعاب كل ما يجد في العلاقات ، وهذا ينمي الانسجام ويديم أواصر الترابط " ، ويكون سدا يمنع تسرب أي قطرة خلاف قد يزداد فتغرق فيه الأسرة .
وهذا ما حاولت الأم بناءه في عقلية ابنتها ، لكن بلا فلسفة غامضة ، ولا استغراق منطقي ، فلديها حس رهيف ، فهي تدلل باللمحة ، وتفهم بالإشارة ، وتعي بالنظرة ، فجاءت فلسفتها فطرية .
" وأخطر ما في الانغلاق هو تشكيل العقل الخيالي ، الذي يحمل الأفكار الخاطئة عن الواقع المعيش ، مما يجعله ينهار عند احتكاكات الحياة الجادة مع من يعيشون خارج دائرته " . " إن الانطلاق يولد الخبرة ، والخبرة تولد الثقة بالنفس ، والمنغلقون على ما لديهم لا يستطيعون إلا أن يكونوا خائفين غرباء ، والخوف والغربة من عوامل الاضمحلال " .
وهذا كله، وأكثر أرادته الأم بذكائها الفطري الصافي لذلك تأثرت الابنة بكلامها " فمن طبيعة الكلام إذا أثر في النفس ، أن ينتظم في مثل الحقائق الصغيرة التي تلقى للحفظ " .
* الاتصال بين الأم وابنتها وموضوعيته
" أول أنواع الاتصال التي عرفها الإنسان ، هي الاتصال وجها لوجه ، أو ما نسميه بالاتصال الشخصي " " فأبسط صور الاتصال هي التي تتم بين فردين ، ولذلك فالاتصال ليس إحساسا أو شعورا ذاتيا ، و إنما هو سلوك يقع خارج حدود ذواتنا " .
فالاتصال يزيد المعلومات ، وبالطبع تتغير وتتطور آلية التفكير وبناء الذات ، والاتصال وسيلة للترابط والتماسك في المجتمع " وعن طريق الاتصال يجني الإنسان كثيرا من المكاسب والمعارف والتجارب التي تؤهله لتبؤ مركزه اللائق به في مجتمعه " .
والأم تجهز ابنتها للذهاب لملك كندة فهي ملكة ؛ ولذلك خلت بها قبل رحيلها فكان الاتصال الشخصي بينهما ؛ فالاتصال له تأثير بالغ على الأفكار وما يترتب عليها " .
من هنا برزت أهمية هذه الخلوة بين الأم وابنتها ليلة زفافها ، وهكذا يجب أن تكون الأمهات.
" فالاتصال فضلا عما سبق ، هو ظاهرة اجتماعية مهمة للجنس البشري ، فهو يكرس سِمَتين رئيستين في أي مجتمع ناجح هما :
1- العمل على زيادة القدرة من جانب الأفراد على التكيف الاجتماعي المتبادل .
2- العمل على زيادة درجة اندماج الأفراد في الجماعات " .
وهذا ما نجحت الأم في إيصاله إلى ابنتها ، فهي مقبلة على حياة جديدة لابد من التكيف عليها، لتبادل التأثر والتأثير . فليس المطلوب محو شخصية الابنة بل العمل على التكيف والتنمية، ثم على هذه الابنة أن تندمج في القبيلة والجماعة التي أصبحت إحدى لبناتها ، تحمل همهم وتفرح لفرحهم .
* عناصر عملية الاتصال هي :
1- ( المرسل ) وهو هنا الملقي ( الأم ) .
2- ( المستقبل ) وهو المتلقي ( الابنة ) .
3- ( الرسالة ) وهي هنا ( الوصية ) .
4- ( الوسيلة ) وهي هنا ( الألفاظ والتراكيب بدلالاتهما والإشارات والصور ) .
5- ( التأثير ) وهي الغاية التي أرادتها الأم من الفهم والإفهام ، وكل هذا في وصية الأم .
وللطبيعة الخاصة التي أحاطت نشأة ( أم أناس ) أرادت الأم أن تكفكف من الغلواء التي نشأت عليها ابنتها ، فهي ابنة من لا حر بواديه .
والوصية حفظت لنا اتصالا مع الماضي ، فها نحن نطلع ونتدارس صفحة من كتابه ، فنظل أوفياء له متواصلين مع امتداده ، بارعين في النهل من معينه مع الابتكار والتجديد .
" قال لازويل : الاتصال له ثلاث وظائف :… بينها نقل التراث الاجتماعي من جيل إلى الجيل الذي يليه " .
" وليس من شك أن الاتصال يتم به نقل تراث الأجداد إلى الأحفاد ، ومن خلاله تحتفظ الأمة بشخصيتها ، وتقوم بنقل مناقبها ، وذلك بنقل التراث الثقافي إلى الأجيال ، وبمراجعة هذا التراث نرى كيف انعكست فيه قيم المجتمع التي عززت شخصية الأمة " .
* معرفة حدود الذات
" إذا أدرك المرء أبعاد ذاته فهو يتعامل من خلال ذلك الإدراك مع أي مشكلة أو موقع تعاملا موضوعيا ؛ لأن الجهل بحدود الذات يؤدي إلى الكبر والغرور والتهور ، ويؤدي إلى نكران الذات ، وعدم الاستفادة من إمكاناتها المقدرة لها " . وهذا ما حاولت الأم غرسه في ابنتها فقالت لها : ( ولكن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال .. فكوني له أمة يكن لك عبدا ) و( واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك ، وهواه على هواك (فيما أحببت وكرهت) . حاولت الأم كسر موروث يعوق امتداد المستقبل نحو آفاق السعادة ألا وهو موروث الآبائية ( لغني أبويها ، وشدة حاجتهما إليها ) ، فعملت على :
* نبذ الآبائية
" كثيرا ما يكون تراث الآباء سببا في تعطيل العقل والاستفادة من خير جديد "
ذكًّرت الأم ابنتها باستقلاليتها الجديدة ، وأنها يجب أن تعبر جسر ماضيها العائلي الذي كان مسئولا عنها ؛ فهي اليوم ستكون مسئولة عن بيت جديد .
( أي بنية ، إنك فارقت الجو الذي منه خرجت ، وخلّفت العش الذي فيه درجت إلى وكر لم تعرفيه ، وقرين لم تألفيه فأصبح بملكه عليك رقيبا ومليكا ) .
نلاحظ أن الوصية " منوال تنسج عليه ضروب النشاط الاجتماعي ، وليست لونا من الترف للمسرة والتسلية ، والأم تريد أن تتحوّل الأفكار إلى أشياء متمثّلة في واقع الحياة " .
* الإقناع بالنقل الفعال للمعلومات
" والمعلومات التي لا نستطيع دمجها في مبادئ ونظم عامة لا تجدد سوى جزء يسير من الوعي " . ولذلك شرعت الأم في الحديث عن العموميات ، والصورة الكلية للموضوع ( ولكن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال ) . ويمكننا الإقناع بنقل المعلومات نقلا تفصيليا ، منه ما يلي :
أولا : - التحدث عن التفاصيل ، وربطها بالصورة الكلية للموضوع من حين لآخر ، وكان ذلك واضحا في وحدة الموضوع ، ومن مظاهر الربط والاتصال ، استخدام الضمائر المكني بها عن الزوج بعد التصريح بكلمة ( الزوج) تبادل الإظهار والإضمار إشعارا بأن الزوج هو محور الحديث والاهتمام، ومن الجدير بالذكر أن ضمير الكناية عن الفتاة لا يذكر إلا حين أمرها أو تكليفها بفعل أو نهيها وتحذيرها من شيء مما يوحى بثقل التبعة.
حقا، إن الأم أعطت زوج ابنتها مكانته فهو بحق أسد العرين . والسيد : هو الزوج " في قوله تعالى : ( وألفيا سيدها لدى الباب ) أي صادفا زوجها .
زوجة بلغ بها منتهى الطاعة صورة الأمة في تخشعها ، وبذلت جهدها ابتغاء مرضاة زوجها فأخذت صورة الأمة وما هي بأمة ، إن هي إلا سيدة عزيزة عاقلة ، وكانت تبعيتها لزوجها تبعية تستوجب عزة ، فهى تبعية التبعة والإتباع البنّاء وليست المذلة والهوان.. فقابل الزوج ذلك بمنتهى الشفقة والرحمة فبلغ صورة العبد في لينه وسكونه .
والصورة من البلاغة بمكان ، فالأصل ( كوني له كالأمة - يكن لك كالعبد ) ولكن المجاز أعلى منزلة و أسمى بيانا فمالت عن التشبيه الوضعي وجنحت إلى ما يوهم الاستعارة ( التشبيه البليغ ) ، حيث إنه ادعاء أن المشبه به هو ذاته المشبه ، فجاء خبرا عنه ، فهو أبلغ في الدلالة على وضوح الحال ، وأبين كمالا في رسم الصورة .
( كوني له أمة……………. يكن لك عبدا ).
فالمعادلة : كوني له ــــــــــ يكن لك
أمــة ــــــــــ عبــدا
لما كانت له ــــــ كان لها .
( كوني ==== يكن )
( له ==== لك )
لمّا بادرته بــ ( أمة ) لبّاها بـــ (عبدا )
استخدمت الأم التعبير الأدنى ولم تقل ( كوني له سيدة يكن لك سيدا كفؤا ) لسببين :
1- أن ابنتها ابنة " عوف بن محلٍّم الشيباني " سيد قومه ، والزوج ملك كندة ، فهما ليسا بحاجة إلى ما يعلي قدرهما .
2- أن الأم ذكرت ابنتها بأن ما يؤثر الرجل هو لين جانب زوجه وليس نديتها له ، فالزوجة أخلت ساحة السيادة للرجل ، هنا تجري الأمور سوية ، لا يشعر بمن يزاحمه بل يشعر بالوحشة ويشعر بحاجته إلى من تؤنسه وتملأ قلبه حبا فيتحقق ( كنت له أمة فأصبح لي عبدا ) و( ويكن ) من جهة الزوج تضمين أو علاقة لزومية ، وفي إطارها العام ( تفاعل واستجابة ) أو سببية ( مجاز مرسل ) فالشيء يستدعي نظيره .
ثانيا : _ استخدام الترقيم في سرد ما تريد توصيله للآخرين من معلومات ، ففي رواية " العقد الفريد " جاءت الوصايا مرقمة مزدوجة ( الأولى والثانية ، والثالثة والرابعة ) وهكذا .
فالتسلسل المرقم يوحي ببرمجة فكرية ، وأن الأمر لم يكن مجرد خواطر سانحة ، فالوصية ليست مجرد انطباعات إنشائية ، تلقي الكلام على عواهنه ، بل هي أفكار دفعها عقل بعدما برمجها ورتبها وصاغها .
ثالثا : - استخدام أقل عدد ممكن من الكلمات المعبرة الموجزة ، جاءت الوصية عبارة عن رسائل سريعة خاطفة وكأنها تعليمات تنفذ وتوقيعات تلقي للحفظ ، والمقام يقتضي ذلك .
رابعا : - استخدام المقارنة والتشبيه
كثيرا ما استحضرت الأم المقابلة لتوضيح الصورة لابنتها وليكتمل رسمها للأمر فاستخدمت التقابل لتبرهن على أن بديل حسن الطاعة سيء ، وعاقبته وخيمة لتحذر ابنتها مغبة تغليب هواها على هوى زوجها ، وعدم طاعته في السراء والضراء ، وكذلك استخدمت أعلى درجات التشبيه وذلك لترسيخ جدية الأمر ، وبيان خطورة عدم أخذه بما هو أهله .
4- بناء منهجية في التفكير .
أرادت الأم أن تسن لابنتها دستور حياتها ، فأخذت في وضع لبنات صرح سعادتها المستقبلية ، و أولى هذه اللبنات ، إزالة التعصب لقبيلتها ، فالتربية المتوارثة تغذي الانتماء القبلي فلا مجد ولا شرف إلا للقبيلة .
وهل أنا إلا من غٌزيّة إن غَوت غويـت وإن ترشد غزية أرشد
" وحين تمتد هذه التربية عبر الأجيال فإنها تورث مرضا خطيرا وهو ( التركيب العقلي الأحادي ) الذي يكون عاجزا عن الاستفادة من أكداس المعلومات المتاحة له ، بل قد يختص منها ما يغذي نفسيته ويسوغ له أفعاله و أفكاره مما يزيد تعصبه الأعمى " .
وهذا ما دفع الأم للتعريض بخطورة استمرارية الانتماء القبلي القديم ، وبينت أنها مرحلة يجب تجاوزها في إطار النظرة المستقبلية الواقعية . " فالتكيف المتوازن يتطلب نوعا من التجاوز عن بعض المفاهيم والآليات القديمة التي ليست لها سوى قيمة وفعالية زمنية " .
( أي بنية إنك فارقت الجو الذي منه خرجت وخلفت العش الذي فيه درجت ) .
* الواقعية
وهي ركيزة مهمة من ركائز الموضوعية ، فكثيرا ما نقع أسرى حركة ترددية بين الماضي بمثله وقيمه وخبراته ، وبين المستقبل بآماله وخططه ومشاريعه متجاوزين الواقع وظروفه وضروراته، أي نعيش لحظتين لا نملك واحدة منهما . (….. وشدة حاجتهما إليك كنت أغنى الناس عنه ، ولكن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال ) .
ومن مظاهر الواقعية :
* الانشغال بالواقع
وهذا ما قامت به الأم فأخذت تطوف بمخيلة ابنتها نحوه ( الصحبة بالقناعة ، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة ، والتعهد لموقع عينه .. ) .
* تقدير العوارض وحسن التعامل معها (مهارة التوقع )
(وكوني أشد ما تكونين له إعظاما يكن أشد ما يكون لك إكراما ، وأشد ما تكونين له موافقة يكن أطول ما تكونين له مرافقة واعملي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك ، وهواه على هواك ، فيما أحببت وكرهت ) .
وهي في كل ذلك تضع التفاصيل لكل قسم ، والأسباب الموجبة له ، إذ لعل ابنتها لا تدرك معنى من المعاني التي ذهبت إليه الأم ، لأن تجربة ( أم إياس) في الحياة محدودة لما تصل إلى غاية الإدراك بعد .
ثم تواصل الأم في دائرة الوصايا لتختم بتحذير من مغبة أمر يكون معه الفراق الأبدي ، فتحذرها من الأمور التي تفكك عري الألفة والوفاق بين الطرفين ، فتصل إلى ما لا تحمد عقباه .
* الاستدعاء الانطلاقي
وإنما أقصد به استدعاء الكم المعلوماتي واستحضار التجارب والاستفادة منها عمليا استفادة انطلاقية ينطلق بها صاحبها نحو التطور والرقي .
فطبيعة اشتغال الذهن بالمعلومات الواردة إليه تسبب له بعض الأضرار والمؤثرات السلبية في منطقيته وطلاقته . والمعلومات التي لا نستطيع دمجها في مبادئ ونظم ونماذج عامة ، تقل الفائدة منها فهي لا تجدد سوى جزء يسير من الوعي ( ولكنها تذكرة للغافل ، ومعونة للعاقل ) .
وكثافة المعلومات وتدفقها قد يوقف الإبداع ، ويحول دون الاستفادة من هذا الكم إن لم يبرع في توظيفه، وكثيرا ما يربي تابعا مقلدا وهذا قصور في منهج التفكير " والشيء قد يموت بصورة ما إذا قطع عن وسطه الثقافي المعتاد ، إذ إن لغته خارج هذا الإطار تفقد معناها .
أرادت الأم لابنتها ألا تكون أسيرة القصور الذاتي ، فترهقها تبعات قصورها الإدراكي لطبيعة الحياة الجديدة فتلهث خلف الحلول لما ترتب على هذا القصور ، وتكون دائرة إنتاجها العقلي هي وضع الحلول المبتسرة ، أو ردود الأفعال .
فعلمتها الأم فن القيادة وسر السيادة ( كوني له أمة يكن لك عبدا ) ( ولا تفشي له سرا ولا تعصي له أمرا ) ( وكوني أشد ما تكونين له إعظاما يكن أشد ما يكون لك إكراما ) .
الاحتفاظ ( والاحتفاظ ببيته وماله ، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله ) . وحسن التوقع ( و أشد ما تكونين له موافقة ، يكن لك أطول ما تكونين له مرافقته ) .
والاستشراف المستقبلي ( واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك وهواه على هواك فيما أحببت وكرهت ) ، كل هذا ذخيرة كما قالت الأم في بداية وصيتها ( احملي عني عشر خصال تكن لك ذخرا وذكرا ) تستدعيها ابنتها وقت الحاجة .
فالأم أعطت ابنتها درسا هو عصارة حياتها ورسمت لها طريقها الصحيح .
الأم تهنئ ابنتها نفسيا ..
تلمست الأم الوقت المناسب لإسداء النصيحة ، فاقتنصت الفرصة السانحة ، استجمعت الأم قلبها ، وألجمت عاطفتها بنور عقلها فتوهجت نصيحتها ضياءا ، وامتد عطاؤها عبر الأجيال والأزمان ، في ليلة تطلق الأمهات العنان لعواطفهن ويسترسلن بكاء ، فلقد استقلت الابنة ، وخرجت من البيت الذي ملأته أنسا ، تترك الأم فارغة الفؤاد . لكن أمامة " طراز آخر ، وجّهت عاطفتها الحرى ، وأفرغتها حكما تٌسديها لابنتها فخرجت حكما واعية خلدها التاريخ " وجماع البلاغة التماس حسن الموقع ، والمعرفة بساعات القول ، وقلة الخرق بما التبس من المعاني أو غمض " وهذا ما فعلته الأم .
فالأم تعلم الرهبة النفسية التي تكون لدى كل فتاة هذه الليلة ، فهي قد مرت بتلك الأحاسيس قبلا .
وها هي تسكب السكينة على ابنتها حنانا وتلطفا وإيناسا . فلقد برعت الأم في استهلال نصيحتها ( أي بنية إن الوصية لو تركت لفضل أدب تركت لذلك منك ) .
عنصر التشويق كان من الأم فعليه تقوم الرسالة ويصاغ الخبر " فخير الكلام ما شوق أوله إلى سماع أخره " . ومما برعت فيه الأم استخدام لفظة ( بنية ) و ( يا بنية أمك ) " وبعض كلمات اللغة لها معنى عاطفي وجداني ، إضافة إلى معناها الدلالي الأساسي ، ومن أمثلة الكلمات الغنية بالمعنى الوجداني ، أو المعنى النفسي : (أم ، ابنة) وكل كلمة من هذه الكلمات لها معنى أساسي مصحوب بشحنة غنية من العواطف .. والأم هي الوالدة " وهي أيضا رمز العطاء والفداء .
والأم هنا استخدمت ( بٌنية ) مسبوقة بالنداء ، أو مقدرة النداء ، أو ( يا بنية أمك ) ففي علم الدلالة : الاهتمام بالمؤثرات الخارجية مما يوضح المعنى ويزيد في تفهيمه واستجلائه.
" فأدوار المخاطبين : تقوم على العلاقة بين المتكلم والسامع تؤثر في معاني الجمل المتبادلة بينها والعلاقة السابقة هي علاقة ودية " .
وبدأت الأم " بإظهار ما الحسن فيه أوضح وما النفس بتقديمه أعنى " . فابنتها متوترة قلقة كأي فتاة ليلة زفافها ، فأتقنت الأم زرع الثقة ثم ومن حيث لا تشعر ابنتها آنستها إلى الإصغاء لوصاياها لأنها منحتها الرضا ، وأشبعت نفسيتها ثناء وثقة ، فزال عنها توترها .
" فالشخص الذي يستشعر الإحباط يشعر بعدم الرضا ويكون في حالة من عدم التوازن ولذلك كان لابد من شيء من التكيف لتخفيف التوتر " وتمكينها من تقبل الوضع الجديد والتجاوب معه .
" أرادت الأم أن تزيل عنها غربة الدار ، وأن توجد الألفة بينها وبين قرينها فأمرتها أن تتحلى بهذا الخلق وتتبع هذه الوصايا " . ونجحت الأم في التوصل إلى حصول الغرض من المخاطب ( ابنتها ) والملاطفة ( لها ) في بلوغ المعنى المقصود ، من حيث لا تشعر به ، ويلاحظ تدرج الأم في إفراغها خبيئ قلبها لابنتها حبا وتربية ، ودروسا في واقعية الحياة فما أفرغت ما عندها جرعة واحدة ولكنها تدرجت وتسلسلت تسلسلا مركزا ، وعلى جرعات حتى تحفظ ابنتها ما تلقيه أمها وتعيه ، فالتدرج والتسلسل المركز يقي الذاكرة النسيان، ويحفظ للذهن توقده عند الاستدعاء المعلوماتي والمتلقي أكثر استعدادا لتلقي الرسالة على جرعات .
وعملت الأم على ألا يفلت زمام قلب ابنتها المتهدج منها ، فاستخدمت الاستمالات العاطفية ( أي بنية ) .
وفي رواية " مجمع الأمثال " ( يا بنية أمك ) في هذا التركيب ما فيه من روعة حنان وعاطفة جياشة . " فالوصول إلى قلب المتلقي هدف من أهداف توصيل الرسالة " وقيل البلاغة هي : " إهداء المعنى إلى قلب السامع في أحسن صورة من المعنى " . وقيل أيضا أنها : " تنهي المعنى إلى قلب السامع فيفهمه " .
ولا شك أن استخدام الاستمالات العاطفية واحد من التكتيكات المتبعة في الاتصال حاليا .
إذ توصل " ما ينفي وجرينبرج " في دراسة لهما حول تأثير الدعاية العاطفية وكذلك توصل " هارتمان " إلى أن : الاستمالات العاطفية في الدعاية تفوق الحجج المنطقية " .
وفي صحيفة " بشر بن المعتمر " وصايا مهمة للتأثر والتأثير منها :
1- اختيار اللحظة المناسبة نفسيا لدى المستمع لتبليغ الرسالة ، وهذا ما قامت به الأم مع ابنتها .
2- البعد عن التعقيد لأنه يستهلك المعاني ويجهد الذهن ، لذلك جاءت الوصية سهلة الألفاظ واضحة المعاني ، لأن هدفها بناء الوعي وإيجاد شخصية جديدة تتناسب والمرحلة الحياتية ، فالألفاظ مناسبة معبرة
3- عملية الاتصال التي قامت بها الأم توافق فيها الحال مع المقال فحققت الرسالة هدفها .
4- علاقة المتصل ( الأم ) بالمستقبل ( الابنة ) ، كانت على مستو راق ، مما أنجح عملية الاتصال على المدى البعيد.
وينبغي أن تعرف أقدار المعاني ، فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين ، وبين أقدار الحالات ، فتجعل لكل طبقة كلاما ، ولكل حال مقاما حتى تقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات ،ومقامات المستمعين على أقدار الحالات "
إسلام تايم – د.محمد صادق عوض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الأسرة | السمات:الأسرة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 2nd, 2008 at 2 يناير 2008 5:23 م
اعتقد ان جملة(كوني له امة يكن لك عبدا)من الافضل تغيرها الى(اياكي ان تكوني له امة يكن لك سيدا)وبالطبع يمارس عليك القهر خاصة مع رجال اقصد لئام هذا الزمن فالرجال قليل بل لم يعد احد يتحلى بقسط ضئيل من الرجولة فكلهم عبيد في زمن العبيد الا من رحم ربي