كيف تكون حياتنا اليومية مع القرآن

كتبهاالصقر الحر ، في 18 أغسطس 2006 الساعة: 15:08 م

 حياة القلب هي كل شيء وأنت طالب حياة فعليك بالقرآن علمًا وعملاً وإياك وأهواء الدنيا

 آية واحدة كفيلة بإحياء القلب لو أحسنت استقبالها وتفاعلت مع روحها

في زحمة الحياة، والجري وراء السراب، والسباق الرهيب من أجل المادة، قد يغفل الإنسان عن سر وجوده، والغاية التي خلق من أجلها، مع أن المطلوب دائمًا اليقظة الإيمانية التي تحول بين القلب والمؤثرات المادية وتعطل دوره في قيادة الإنسان إلى الله

وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الأنعام: 122)

لقد كان سلفنا يقرءون القرآن، فيرتقون إلى مستواه، أما نحن فنقرأ القرآن فنشده إلى مستوانا، وهذا ظلم بيِّن لمنهج الله، ولقد تلقى الجيل الأول من المسلمين هذا الدستور، فصاغوا حياتهم على أساسه، وأخذوه على أنه تعاليم وتوجيهات للتنفيذ والتطبيق والعمل، فكان الفتح الجديد للعالم، وكانت الحضارة الجديدة التي أنعشت الإنسانية، وارتقت بها، وتمت المعجزة؛ لأن الأمة الإسلامية كانت في مستوى المنهج الرباني، في الفهم، والالتزام، والصدق، والإخلاص

ويقول عبدالله بن مسعود- رضي الله عنه: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن فرزقنا العلم والعمل معًا

ويقول سالم مولى أبي حذيفة- رضي الله عنه- وقد كان نموذجًا لعطاء حامل القرآن، واستشهد في حرب اليمامة: "بئس حامل القرآن أنا، إن أوتيتم من قبلي"، فغرس حربته واستشهد في مكانه، ورفض أن يتزحزح أمام هجوم المرتدين

نعم لقد تكيفوا معه في حياتهم اليومية، وفي عقولهم ومشاعرهم، وفي حركتهم وسلوكهم، وفي كل ﴾أنشطتهم، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا

فالقران روح قبل أن يكون ألفاظًا ومعاني، والاهتمام بهذا الجانب يجب أن يأخذ مكانه في قلوبنا وعقولنا، وللروح آثارها في حياة المؤمن، وآية واحدة من هذا الدستور كفيلة، لو أحسنا استقبالها عملاً واعتقادًا والتزامًا بتكاليفها في غير فتور ولا كسل مع مخالطة روحها لخفايا القلب

حبل الله المتين كما ورد عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- طرفه بيد الله، وطرفه الآخر بيد الناس، فأي جزء أخذنا منه بجد وقوة، سرى سره في القلوب، فارتجفت به، وسرت فيها الحياة الحقة، قال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَّشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ الزمر: 23

شمول المنهج

وأنبه إلى أن مهمة القرآن ليست حياة القلب فحسب؛ إنما هي وضع مناهج العمل الذي تنتظم به الحياة، حتى لا يضل المرء، عملاً واعتقادًا أثناء سيره إلى الله، لكنا نتحدث عن روح القرآن التي تحيا بها القلوب وعقل الحياة الذي يوجهها إلا الله على بصيرة هو الأحكام الشرعية

يقول الأستاذ حسن الهضيبي- المرشد العام للإخوان المسلمين- يرحمه الله: ليس في الدنيا كتاب أحاط بمسائل الحياة، وربط بين شئونها، وجعل بعض هذه الشئون أسبابًا لبعض، وحل مشكلاتها في بساطة ويسر كالقرآن الكريم: ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾، فإذا قرأته وتدبرت آياته، وجدته كلاً لا يقبل التجزئة، ووجب أن ترجع ما فيه من أحكام إلى أصولها، حتى يتبين لك الحق فيها، فلا تقتصر على حكم دون أن تلقي بالاً إلى ما يتعلق به من الآيات الأخرى، كما فعل بعض المسلمين في كثير من المسائل

ويقول صاحب الظلال ـ سيد قطب رحمه الله ـ محددًا دور أمة الإسلام في حمل هذه الأمانة إلى العالم كله: "جاء هذا القرآن ليربي أمة ويقيم لها نظامًا، فتحمله هذه الأمة إلى مشارق الأرض ومغاربها، وتعلم به البشرية هذا النظام، وفق المنهج الكامل المتكامل، ومن ثم فقد جاء هذا القرآن مفرقًا وفق الحاجات الواقعية لتلك الأمة، ووفق الملابسات التي صاحبت فترة التربية الأولى، والتربية تتم في الزمن الطويل، وبالتجربة العملية في الزمن الطويل، جاء ليكون منهجًا عمليًّا يتحقق جزءًا جزءًا في مرحلة الإعداد وذلك حكمة نزوله مفرقًا

يقول القاضي الفقيه الشهيد عبد القادر عودة- يرحمه الله: "لقد صنع الله موسى وعيسى ومحمدًا- صلوات الله وسلامه عليهم- وأوحى إليهم بالتوراة والإنجيل والقرآن، فهل جاء قبلهم أو بعدهم من غير الرسل من يصح أن يوضع معهم موضع المقارنة؟ وهل استطاع البشر أن يأتوا بمثل ما أتوا به"، ولقد صنع الله السماء والأرض، وسخر لنا الشمس والقمر وخلقنا معشر البشر؛ فهل يحسن البشر أن يصنعوا مثل هذا؟ إنهم لا يحسنون أن يصنعوه، بل إن أكثرهم لا يحسنون أن يفقهوا

من كتابه التشريع الجنائي ج1

ويقول الأستاذ البهي الخولي : "سل نفسك قبل قراءة القرآن هل هواك مع الله، أم مع الدنيا؟ واعلم يا أخي: أن كل هوى من الأهواء الدنيوية، إنما هو حجاب كثيف بينك وبين الله، وبين قلبك والقرآن، فحب المال حجاب، وحب البنين حجاب، واشتغال القلب بشواغل الدنيا حجاب أو حجب، وإعجاب المرء بعلمه أو ذكائه أو صلاحه أو قوته أو جاهه، من الموانع الكثيفة الثقيلة وميل الطبع إلى شيء مما حرم الله وبغضه الخير لمنافسه، وحسده وحقده، ورغبته في نزول الأذى والمصيبة بمن يكره، هذا ونحوه: أكنة يبتلى بها القلب، فتحول دون وصول روح القرآن إليه

وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا* وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ (الإسراء: 45- 46)

ثم يقول- رحمه الله- مركزًا على هذه المعاني في دنيا القلوب، وحياة الأرواح: "يا أخي، حياة القلب هي كل شيء، وأنت طالب حياة فلا تبخل بأي جهد يجعلك من الأحياء مهما شق عليك، ونحن في رسالة لا ينهض بحقها إلا القلب الحي، فمن رحلة إلى الدار الآخرة، لا ينفع فيها مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فجرد قلبك من هذه الأهواء، فإنك حينئذ تدرك وتحس، وتكره وتحب، وتبكي وتخشع، وأنت في روضة من رياض الجنة

من تذكرة الدعاة بتصرف  

ضرورة الطاعة لكتاب الله

إن قضية الدين الأساسية هي اتباع المسلم لما أنزل الله، والاعتراف بربوية الله، والتزام أوامره، واجتناب نواهيه، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ الأعراف: 3)

اتباع هذا الوحي لأنه حق ويقوم على الحق ويقر الحق في الأرض، فالحق مادته، والحق غايته، ومن الحق قوامه، وهو الحق الأصيل الثابت الذي خلق الله السموات والأرض قائمين به، فالحق سداه، والحق لحمته وغايته، وسيد الدعاة- صلى الله عليه وسلم- مبشر ومنذر به، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (الإسراء: 105).

إن جميع جزئيات هذا الكتاب وكُلياته صدق وعدل فيما تحتوي عليه من معنى، وفيما تدل عليه من أحكام وتشريع ومن مفهوم، ومن أجل ذلك لا تبدل كلماته، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الأنعام: 105)

إن أكثر الناس في زماننا هذا قد يبتعدون عن كتاب الله، ويهجرونه، ويركنون إلى المناهج الوضعية وإلى الظن في تصوراتهم وحياتهم، وفي أحكامهم ومشورتهم، وهم في حقيقة أمرهم يلجئون إلى طريق المغالطة لتغطية أغراضهم والهروب من المواجهة التي تطاردهم، ويكاد المريب يقول : خذوني

إن الذي يهجر كتاب الله ويبتعد عنه، وهو ما هو في صدق كلماته، وعظمة تشريعاته، وعدل مبادئه، إنما يبتعد عن الصدق والحق والعدل، إنما يبتعد عن نور الله، إنما يبتعد عن الحق الذي قامت عليه السموات والأرض، إنما يبتعد عن الموازين التي وضعها المولى سبحانه وتعالى، والبديل للأسف عنده، هو الظن والهوى، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ الأنعام: 116

فمن جانب: هناك حق وصدق وعدل، وموازين وقيم ثابتة، هي ما في هذا الدستور الخالد، الذي طبق ما يزيد على ألف سنة، فعاش المسلمون في ظله أحرارًا، ومن جانب أكثر الناس، والعبرة دائمًا ليست بالكم ولا بالنوع، لكن العبرة بما ينطوي على الحق والصدق والعدل

وإذن فليس هناك خيار سوى اتباع منهج الله، والسير على منواله، وترك ما عليه الناس لمن أراد أن يتجنب الضلال والضياع، وصدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين قال: تركت فيكم أمرين لن تضلوا أبدًا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد

منقول عن أبي البشرى في منتديات المشكاة

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إسلاميات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “كيف تكون حياتنا اليومية مع القرآن”

  1. أخي الفاضل السلام عليكم : بارك الله فيك على هذا الإدراج الموفق , في الحقيقة تقلب الكثير من المدونات ولا تجد إلا القليل من بني عمومتي يهتمون بدينهم وعزهم , وكأن الأمر صار ملهاة وصار خجلاً أن تكون مسلم , بارك الله فيك بالتوفيق .

  2. الكثير يبكي ويتباكى على حال الأمة ، وعلى ماكانت عليه من العزة ومن القوة ..
    ويرفعون أصواتهم في كل منبر وأنه لابد من محاربة العدو .
    وهولاء لو وقفوا وتفكروا بسبب ماألت إليه حال الأمة ، لعرفوا أن السبب هو البعد عن الدين
    وعن مصادر التشريع القران والسنة ..
    فلو جاهدنا أنفسنا ، وحاربنا الشيطان ، فوالله لسهل علينا جهاد العدو ولخاف منا وأصبح لنا هيبة فوق كل أرض ..
    فللاسف معلوماتنا في دنيانا أكثر بكثير من معلوماتنا في ديناً والله المستعان ..
    وجزاك الله خيراً على هذه التذكرة ..

  3. ليــــــــــــدي قال:

    أولا : الأخ عبيده سواءا كتبت مقال او رد فانت دائما تصيب الهدف تبحث عن الفجوات كي تسدها …و القران حقا دستور خالد وشرف لنا في الدنيا والاخره وشفيعا لنا ،،وبمناسبة الموضوع عن القرآن احببت ان انوه ان الكثير من الناس من يتهادون بالقرآن من باب ان منزلته عاليه ،،ولكن الاغلبيه لم ينتبهون بأنهم يكدسون المصاحف بالمنزل الواحد ولا يكاد يقرأ منها سوى واحد (هذا ان عزم على ختمه ) والبقيه تهجر …اليس هذا ظلم للقرآن ،،،وشكرا لك اخينا الفاضل عبيده لتفضلك بهذا المقال الجدير بالقراءه



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر