د. يوسف القرضاوي
جاء الإسلام وبعض الناس ينكرون إنسانية المرأة، وآخرون يرتابون فيها، وغيرهم يعترف بإنسانيتها، ولكنه يعتبرها مخلوقاً خُلِق لخدمة الرجل.
كان من فضل الإسلام أنه كرَّم المرأة، وأكَدَ إنسانيتها، وأهليتها للتكليف والمسؤولية والجزاء ودخول الجنّة، واعتبرها إنساناً كريماً، له كل ما للرجل من حقوق إنسانية. لأنهما فرعان من شجرة واحدة، وأخوان ولدهما أب واحد هو آدم، وأُم واحدة هي حوَّاء.
فهما متساويان في أصل النشأة، متساويان في الخصائص الإنسانية العامة، متساويان في التكاليف والمسئولية، متساويان في الجزاء والمصير.
وفي ذلك يقول القرآن: (يا أيُّها النّاسُ اتقوا ربَّكُم الذي خلقَكُم مِن نفسٍ واحدةٍ وخلقَ منها زوجها وبث منهُما رجالاً كثيراً ونساءً، واتَّقوا اللهَ الذي تساءَلون بهِ والأرحام إنَّ اللهَ كان عليكُم رَقيباً)(1).
وإذا كان الناس _كل الناس _ رجالاً ونساءً، خلقهم ربهم من نفس واحدة، وجعل من هذه النفس زوجاً تكملها وتكتمل بها كما قال في آية أُخرى: (وجَعَلَ مِنْها زَوجَها لِيسْكُنَ إليها)(2). وبث من هذه الأسرة الواحدة رجالاً كثيراً ونساءً، كلهم عباد لرب واحد، وأولاد لأب واحد وأُم واحدة، فالأخوة تجمعهم.
ولهذا أمرت الآية الناس بتقوى الله _ربهم _ ورعاية الرَّحم الواشجة بينهم: (واتَّقوا اللهَ الذي تساءَلونَ بهِ والأرحام).
فالرجل _بهذا النص _ أخ المرأة، والمرأة شقيقة الرجل. وفي هذا قال الرسول (ص): "إنما النساء شقائق الرجال"(3).
وفي مساواة المرأة للرجل في التكاليف والتدين والعبادة، يقول: (إنَّ المُسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ والقانتينَ والقانتاتِ والصَّادقينَ والصَّادقاتِ والصَّابرينَ والصّابراتِ والخاشعينَ والخاشعاتِ والمُتصدِقينَ والمتصدِقاتِ والصَّائمينَ والصَّائماتِ والحافظين فُرُوجَهم والحافظاتِ والذّاكرينَ اللهَ كثيراً والذاكراتِ أعدَّ اللهُ لهُم مَّغفرةً وأجراً عظيماً)(4).
وفي التكاليف الدينية والاجتماعية الأساسية يسوِّي القرآن بين الجنسين بقوله تعالى: (والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهم أولياءُ بعض، يأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عن المُنكرِ ويُقيمونَ الصلاةَ ويؤتون الزَّكاةَ ويُطيعون اللهَ ورَسولهُ، أولئكَ سيرحَمُهُمُ اللهُ)(5).
وفي قصة آدم توجّه التكليف الإلهي إليه وإلى زوجه سواء: (يا آدمُ اسكُنْ أنتَ وزَوجَكَ الجنَّةَ وكُلا منها رغَداً حيثُ شئتُما ولا تقربا هذهِ الشجرةَ فتكونا مِنَ الظّالمين)(6).
ولكن الجديد في هذه القصة _كما ذكرها القرآن _ أنها نسبت الإغواء إلى الشيطان لا إلى حواء _كما فعلت التوراة _: (فأزَلَهُما الشيطانُ عنها فأخرَجَهُما مِمّا كانا فيهِ)(7).
ولم تنفرد حوّاء بالأكل من الشجرة ولا كانت البادئة، بل كان الخطأ منهما معاً، كما كان الندم والتوبة منهما جميعاً: (قالا ربَّنا ظلمنا أنفُسنا وإن لم تَغفِر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين)(8).
بل في بعض الآيات نسبة الخطأ إلى آدم بالذات بالأصالة: (ولقدْ عهدنا إلى آدمَ من قَبلُ فنسىَ ولم نَجد لَهُ عزما)(9).. (فَوَسوَسَ إليهِ الشيطانُ قالَ يا آدمُ هل أدُلكُ على شجرةِ الخُلدِ ومُلكٍ لا يَبلى)(10).. (وعَصى آدمُ ربَّهُ فغوى)(11). كما نسب إليه التوبة وحده أيضاً: (ثُمَّ اجتباهُ ربُّهُ فتابَ عليهِ وهدى)(12). مما يفيد أنه الأصل في المعصية، والمرأة له تبع.
ومهما يكن الأمر فإن خطيئة حوَّاء لا يحمل تبعتها إلا هي، وبناتها براء من إثمها، ولا تزر وازرة وزر أخرى: (تلكَ أُمّة قد خلت لها ما كَسَبت ولكُم ما كسبتُم ولا تُسئلونَ عمّا كانوا يعملونَ)(13).
وفي مساواة المرأة للرجل في الجزاء ودخول الجنَّة يقول الله تعالى: (فاستجابَ لُهُم ربُّهم أنّي لا أُضيعُ عملَ عاملٍ منكُم من ذَكرٍ أو أنثى بعضُكُم مِن بعضٍ)(14). فنص القرآن في صراحة على أن الأعمال لا تضيع عند الله، سواء أكان العامل ذكراً أو أنثى، فالجميع بعضهم من بعض، من طينة واحدة، وطبيعة واحدة، ويقول: (مَنْ عَملَ صالحاً من ذكرٍ أو أُنثى وهو مؤمنٌ فلنُحيينَّهُ حياةً طيبةً، ولنجزينًّهُمْ أجرهُم بأحسَنِ ما كانُوا يعملون)(15).، (ومَن يعملْ من الصّالحاتِ من ذكرٍ أو أُنثى وهوَ مؤمنٌ فأولئكَ يدخُلون الجنَّة ولا يُظلمونَ نقيراً)(16).
وفي الحقوق المالية للمرأة، أبطل الإسلام ما كان عليه كثير من الأمم _عرباً وعجماً _ من حرمان النساء من التملك والميراث، أو التضييق عليهن في التصرف فيما يملكن، واستبداد الأزواج بأموال المتزوجات منهن، فأثبت لهنَّ حق الملك بأنواعه وفروعه، وحق التصرف بأنواعه المشروعة. فشرع الوصية والإرث لهنَّ كالرجال، وأعطاهن حق البيع والشراء والإجارة والهبة والإعارة والوقف والصدقة والكفالة والحَوَالة والرهن.. وغير ذلك من العقود والأعمال.
ويتبع ذلك حقوق الدفاع عن مالها _كالدفاع عن نفسها _ بالتقاضي وغيره من الأعمال المشروعة.
كما جعل للمرأة حق طلب العلم كالرجل، بل الواقع أنه اعتبر طلب العلم فريضة عليها. كما جاء في الحديث: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" والمراد: كل إنسان مسلم، رجلاً كان أو امرأة، وهذا بالإجماع.
وكذلك للمرأة حق صلاة الجماعة في المسجد فهي مطالبة بالفرائض والعبادات كما يُطالب الرجل: الصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر أركان الإسلام، وهي مثابة عليها كما يُثاب الرجل، وهي معاقبة على تركها كما يُعاقَب الرجل وهي مطالبة بالواجبات الاجتماعية كما يُطالب الرجل، كما في قوله تعالى: (والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهُم أولياء بعض، يأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عن المنكر)(17).
ومن حقها أن تجير من استجار بها، وأن تحترم إجارتها، كما فعلت أُم هانىء بنت أبي طالب يوم فتح مكة، فقد أجارت بعض المشركين من أحمائها، وأراد أحد إخوانها أن يقتله، فشكت ذلك إلى النبي (ص) وقالت: يا رسول الله؛ زعم ابن أُمي أنه قاتل رجلاً قد أجرته: فلان بن هبيرة! فقال رسول الله (ص): "قد أجرنا من أجرت يا أُم هانىء"(18).
* شبهات مردودة:
وهنا تعرض لبعض الناس شبهات، وتدور في خواطرهم أسئلة حول إنسانية المرأة، ومنزلتها في الإسلام، نعرض لأهمها، ونجيب عنها إن شاء الله.
* حكمة تمييز الرجل عن المرأة في بعض الأحكام:
من هذه الأسئلة: إذا كان الإسلام قد اعتبر إنسانية المرأة مساوية لإنسانية الرجل، فما باله فضَّل الرجل عليها في بعض المواقف والأحوال. كما في الشهادة، والميراث، والدية، وقوامة المنزل، ورياسة الدولة، وبعض الأحكام الجزئية الأُخرى؟
والواقع أن تمييز الرجل عن المرأة في هذه الأحكام، ليس لأن جنس الرجل أكرم عند الله وأقرب إليه من جنس المرأة. فإن أكرم الناس عند الله أتقاهم _رجلاً كان أو امرأة _ كما قال تعالى في كتابه: (إنَّ أكرَمَكُم عندَ اللهِ أتقاكُم)(19). ولكن هذا التمييز اقتضته الوظيفة التي خصصَّتها الفِطْرة السليمة لكل من الرجل والمرأة. كما سنوضح ذلك فيما يلي:
* شهادة المرأة وشهادة الرجل:
جاء في القرآن في آية المداينة التي أمر الله فيها بكتابة الدَّيْن والاحتياط له: (واستشهِدوا شهيدينِ من رجالكم، فإن لّم يكُونا رجُلينِ فرجُلٌ وامرأتانِ ممَّن ترضونَ من الشهداء أن تَضِلَ إحداهُما فتُذكّرَ إحداهما الأُخرى ولا يأبَ الشهداءُ إذا ما دُعوا)(20).
وبهذا جعل القرآن شهادة الرجل تساوي شهادة امرأتين.
كما قرر جمهور الفقهاء أن شهادة النساء لا تُقبل في الحدود والقِصاص.
والحمد لله أن هذا التفاوت ليس لنقص إنسانية المرأة أو كرامتها، بل لأنها _بفطرتها واختصاصها _ لا تشتغل عادة بالأمور المالية والمعاملات المدنية. إنما يشغلها ما يشغل النساء _عادة _ من شئون البيت إن كانت زوجة، والأولاد إن كانت أُماً، والتفكير في الزواج إن كانت أيِّما، ومن ثم تكون ذاكرتها أضعف في شئون المعاملات. لهذا أمر الله تعالى أصحاب الدّين إذا أرادوا الاستيثاق لديونهم أن يُشهدوا عليها رجلين أو رجلاً وامرأتين. وعلّلَ القرآن ذلك بقوله: (أن تَضِلَ إحداهُما فتُذَكرَ إحداهما الأُخرى).
ومثل ذلك ما ذهب إليه كثير من الفقهاء الذين لم يعتبروا شهادة النساء في الحدود والقِصاص … بعداً بالمرأة عن مجالات الاحتكاك، ومواطن الجرائم، والعدوان على الأنفس والأعراض والأموال. فهي _إن شهدت هذه الجرائم _ كثيراً ما تُغمض عينيها، وتهوب صائحة مولولة، ويصعب عليها أن تصف هذه الجرائم بدقة ووضوح، لأن أعصابها لا تحتمل التدقيق في مثل هذه الحال.
ولهذه يرى هؤلاء الفقهاء أنفسهم الأخذ بشهادة المرأة _ولو منفردة _ فيما هو من شأنها واختصاصها، كشهادتها في الرضاع والبكارة والثيوبة والحيض والولادة، ونحو ذلك مما كان يختص بمعرفته النساء في العصور السابقة.
على أن هذا الحكم غير مجمع عليه، فمذهب عطاء _من أئمة التابعين _ الأخذ بشهادة النساء.
ومن الفقهاء مَن يرى الأخذ بشهادة النساء في الجنايات في المجتمعات التي لا يكون فيها الرجال عادة مثل حمَّامات النساء، والأعراس، وغير ذلك مما اعتاد الناس أن يجعلوا فيه للنساء أماكن خاصة، فإذا اعتدت إحداهن على أُخرى بقتل أو جرح أو كسر، وشهد عليها شهود منهن، فهل تُهدر شهادتهن لمجرد أنهن إناث؟ أو تُطلب شهادة الرجال في مجتمع لا يحضرون فيه عادة؟
الصحيح أن تُعتبر شهادتهن ما دمن عادلات ضابطات واعيات.
وقال شيخنا العلامة الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق تعليقاً على قوله تعالى: (فإن لَّم يكونا رجُلين فرجلٌ وامرأتانِ)(21): "هذا ليس وارداً في مقام الشهادة التي يقضي بها القاضي ويحكم، وإنما هو وارد في مقام الإرشاد إلى طرق الاستيثاق والاطمئنان على الحقوق بين المتعاملين وقت التعامل": (يا أيُّها الذّين آمنوا إذا تداينتُم بدينٍ إلى أجلٍ مسمىً فاكتبوه، وليكتُب بينكُم كاتبٌ بالعدل ولا يأبَ كاتبٌ أن يكتُبَ كما عَلَّمَه اللهُ)… إلى أن قال: (واستشهِدوا شهيدينِ مِن رجالكُم، فإن لم يكونا رَجُلينِ فرجلٌ وامرأتانِ ممَّن ترضونَ مِنَ الشهداءِ أن تَضِلَّ إحداهُما فتُذكرَ إحداهُما الأخرى)(22) ، فالمقام مقام استيثاق على الحقوق، لا مقام قضاء بها.
والآية ترشد إلى أفضل أنواع الاستيثاق الذي تطمئن به نفوس المتعاملين على حقوقهما.
وليس معنى هذا أن شهادة المرأة الواحدة أو شهادة النساء اللاتي ليس معهن رجل، لا يثبت بها الحق، ولا يحكم بها القاضي، فإن أقصى ما يطلبه القضاء، هو "البيّنة" وقد حقق العلامة ابن القيم أن البيِّنة في الشرع أعم من الشهادة، وأن كل ما يُبين به الحق ويُظهره، هو بيِّنة يقضي بها القاضي ويحكم. ومن ذلك يحكم القاضي بالقرائن القطعية، ويحكم بشهادة غير المسلم متى وثق بها واطمأن إليها. واعتبار المرأتين في الاستيثاق كالرجل الواحد ليس ل
المزيد