الهمة العالية عنوان كمال العقل

ديسمبر 6th, 2007 كتبها الصقر الحر نشر في , التربية

 

خلق الله البشر وجعل لكل منهم همة وإرادة فلا يخلو إنسان عن هم؛ ولذلك كان أصدق اسم يوصف به العبد أنه همام ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "… وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام..".
وجهة الصدق أن كل إنسان له إرادة وعنده اهتمام، كما قال المنذري: وإنما كان حارث وهمام أصدق الأسماء لأن الحارث الكاسب، والهمام الذي يهيم مرة بعد أخرى، وكل إنسان لا ينفيك عن هذين والله أعلم.
 ولكن همم الناس تختلف بين علو وسفول وبين كبر وصغر وبين ضخامة ودناءة . وعلى قدر تفاوت الهمم والإرادات تتفاوت مقامات الخلق في الدنيا والآخرة . فأعلاهم همة أبلغهم لما يريد، وأكثرهم تحقيقا لما يطلب.
قيمة المرء على قدر همته:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "العامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسن، والخاصة تقول: قيمة كل امرئ ما يطلب". (يريد همته ومطلبه وقصده).
وإنما كان الأمر كذلك لأن الهمة طليعة الأعمال ومقدمتها.. قال أحد الصالحين: "همتك فاحفظها؛ فإن الهمة مقدمة الأشياء؛ فمن صلحت همته وصدق فيها صلح له ما وراء ذلك من العمل".
وقال عبيد بن زياد : كان لي خال من كلب، فكان يقول لي: يا زياد هم فإن الهمة نصف المروءة.
وعلامة كمال العقل ورجحانه علو همة صاحبه.. يقول ابن الجوزي: "من علامة كمال العقل علو الهمة، والراضي بالدون دنيء
ولم أر في عيوب الناس عيبا .. .. كنقص القادرين على التمام"
ومعنى علو الهمة:
" استصغار ما دون النهاية من معالى الأمور" .. بمعنى أن يطلب المرء من كل أمر أعلاه وأقصاه، ويستصغر كل ما وصل إليه إن كان هناك ما هو فوقه أو أعلى منه.
وقيل: "هو خروج النفس إلى غاية الكمال الممكن في العلم والعمل".
وقد فسر ابن الجوزي ذلك في صيد خاطره بقوله: "ينبغي لمن له أنفة أن يأنف التقصير الممكن دفعه عن النفس، فلو كانت النبوة ـ مثلا ـ تأتي بالكسب لم يجز له أن يرضى بالولاية، أو تصور أن يكون خليفة لم يقنع بإمارة، ولو صح أن يكون ملَكا لم يرض أن يكون بشرا، والمقصود أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن في العلم والعمل".
وأعلى الهمم على الإطلاق هي التي لا تقف دون الله تعالى، ولا تطلب سواه، ولا تسعى إلا لرضاه، ولا ترضى بغيره بدلا منه، ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به بشيء من أعراض الدنيا وحظوظها ولا حطامها الخسيس الفاني. كيف والله أعلى مطلوب وأفضل مرغوب.
سقوط الهمة أصل الخذلان
إن سقوط الهمم وخساستها هو أصل ما وصلنا إليه من ذل وهوان وحقارة وخذلان، وما من أمة يرضى أهلها بالأمر الواقع ولا تبلغ همم أبنائها أن يغيروه إلا كان لهم الخزي والعار والذلة والصغار.
إن الهمم الكبار تغير التاريخ بل هي التي تسطره وتكتبه:
لقد رأينا محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم.. رجل واحد في وسط عالم كامل من الشرك كيف عبّده بهمته لله رب العالمين؟.
ولقد رأينا أصحاب رسول الله رضي الله عنهم كيف أسقطوا أكبر إمبراطوريتين وأعظم دوليتين في زمنهم (فارس والروم) وفتحوا بلاد السند والهند والمغرب والأندلس في فترة وجيزة هي كالحلم في عمر الزمان.
ولقد رأينا في زمان العز وعلو الهمم كيف كان المسلم في عهد صلاح الدين يربط عشرات الأسرى في طنب خيمة.. ولقد باع مسلم أسيرا نصرانيا بنعل فلما سألوه لماذا؟ قال: أردت أن يخلد التاريخ هوانهم وذلهم وأن رجلا منهم بيع بنعل، فخلدها له التاريخ.
ثم مرت الأيام وقعدت الهمم ورأينا كيف كان الجندي التتري يأمر المسلم قعيد الهمة (بل العدد منهم) أن يجلسوا مكانهم حتى يذهب فيأتي بالسيف ليقتلهم فيمنعهم الخوف أن يتحركوا حتى يعود إليهم فيقتلهم أجمعين!!
ومرت الأيام ورأينا كيف بيعت فلسطين بثمن بخس، وضاعت القدس، وسلب المسجد الأقصى.
ومرت الأيام ورأينا كيف ضاعت العراق ورأينا كيف يركع الجندي العراقي أمام نعلي الجندي الأمريكي طالبا منه العفو والصفح، وطالعتنا الأخبار بصورة رجل هناك يقبل يدي جندي أمريكي شكرا له على تحرير ال

المزيد


الشعنونة

سبتمبر 30th, 2007 كتبها الصقر الحر نشر في , التربية

 

أثارت انتباهي منذ أول يوم لها بكليتنا، بريق غريب يشع من عينيها ينطق بذكاء متوهج وعقل متوثب، كل شيء لديها له طعم مختلف عن الآخرين: حديثها، إيماءاتها، حركتها، كل كلمة تنطق بها تحمل جزءًا من روحها، فتشعر أن كلماتها حية دافئة تخترق وجدانك، تتحدث كثيرا، وبالرغم من ذلك تشعر أنها لا تقول إلا ما تؤمن به وتعتقده، بل وتعيشه وتنفعل به. لديها رؤية ورأي عن كل ما يدور حولها من أمور.

لم يكن أستاذ يلقي محاضرة ويتفوه بشيء يتعارض وقناعاتها إلا هبت واقفة تناقشه بكل قوة واحترام، منفعلة بما تقول، دون أن يخرجها هذا عن حدود الأدب واللياقة.

ترى انفعالها في احمرار خديها، وارتعاشة أجفانها، وتهدج صوتها، ما من حدث يحدث في الجامعة إلا وكان لها منه موقف ولها فيه دور فعال.

وبالرغم من أن كل هذه الصفات تحسب لها لا عليها، فضلاً عن تحركاتها الواسعة وبذلها المستمر لخدمة دينها، وكأنها أوقفت حياتها لذلك، كان هذا سببا في أن تطلق عليها بعض "الملتزمات" لقب "الأخت الشعنونة".

وحتى ذلك الحين لم أكن أعيبهن في ذلك مطلقا، بل ربما استأت أنا أيضا من أن توجد "أخت" بمثل هذه الشخصية القيادية التي تنازع الرجال مواقعهم وتسبقهم في المواقف الحاسمة!!.

الصورة النمطية للـ "أخت"

وقبل أن تتسرعوا بالحكم عليَّ يجب أن تعلموا أن المرء مهما تفقه وتعلم والتزم فهو ابن بيئته، وتؤثر عليه الصور النمطية التي تؤثر على مجتمعه.

فقد نشأنا على أن "الأخت" هي تلك الصامتة دوما، الهامسة أحيانا، تحركاتها محسوبة ومحدودة للغاية، لو وضعتها في مكان ما انتقلت منه بمفردها أبدا، لو تبدلت الدنيا من حولها وقامت القيامة ما اهتزت، لا تطيل نقاشا، بل وتبتعد عن الدخول في أي نقاش قدر الإمكان، تلك التي غاية أحلامها عش هادئ، وزوج حنون، وأبناء تربيهم على طاعة الله، جل اجتهادها في حفظ القرآن وتحفيظه للأخريات، أوسع نشاطاتها هي أن تعطي حلقة درس بالمسجد، لو لم يعطها سائق الحافلة باقي نقودها لاستحت أن تطالبه بها!. باختصار هي تلك التي تحيا في البيت والمسجد فقط، وإذا خرجت للمجتمع لم تعرف كيف تنتقل بين حيين متقاربين إلا بمصاحبة زوجها أو أخيها.

حوار ساخن جدا

لا أنسى يوم أن دخل المحاضر يوما إلى قاعة المحاضرات ليجد أحد الشباب يعلق ملصق تهنئة بشهر رمضان، فما كان منه إلا أن صفعه أمام جميع الطلاب وصاح بحارس القاعة أن يصحبه لضابط أمن الكلية!. وأمام ذهول الجميع من تصرف الأستاذ فوجئنا بها تهب واقفة وتستأذنه في أن تقول شيئا، وراحت تناقشه حول موقفه من هذا الطالب وتعيب عليه تصرفه حتى ثارت ثائرته بعد أن فرغت جعبته، ولم يجد ما يجيبها به، فما كان منه إلا أن طردهما خارج القاعة وصرف الحارس، وانتهى الأمر عند هذا الحد.

خرجنا جميعا بعد المحاضرة -ومع حرصي الدائم على العمل بمبدأ "ولا تجسسوا"- إلا أنني لم أستطع كبح جماح فضولي عندما رأيت إحدى "الأخوات" تتنحى بها جانبا، ويدور بينهما الحديث التالي:

الأخت: ما كان عليك أبدا أن تفعلي ما فعلت.

الشعنونة: وما الخطأ فيما فعلت؟.

الأخت: لقد عرضتِ نفسك للخطر والإحراج دون داع.

الشعنونة: بل قلت كلمة حق عند سلطان جائر، وانتصرت لمظلوم.

الأخت: كان هناك شباب مثله وإخوة فضلاء يمكنهم الدفاع عنه.

الشعنونة: لماذا إذن ل

المزيد


المروءة شيمة النفوس الزكية

أغسطس 10th, 2007 كتبها الصقر الحر نشر في , التربية

 

إن المروءة سجيةٌ جُبلت عليها النفوس الزكية، وشيمةٌ طبعت عليها الهمم العلية، وضعفت عنها الطباع الدنية، فلم تطق حمل أشراطها السنية. إنها حلية النفوس، وزينة الهمم، فما هي حقيقتها؟
حقيقة المروءة:
اعلم – وفقك الله لكل خير – أن حقيقة المروءة اتصاف النفس بصفات الكمال الإنساني التي فارق بها الحيوان البهيم، والشيطان الرجيم، إنها  غلبة العقل للشهوة، وحدُّ المروءة: استعمال ما يُجمل العبد ويزينه، وترك ما يدنسه ويشينه، سواءٌ تعلق ذلك به وحده، أو تعداه إلى غيره.
قال بعض السلف: خلق الله الملائكة عقولاً بلا شهوة، وخلق البهائم شهوة بلا عقول، وخلق ابن آدم وركّب فيه العقل والشهوة، فمن غلب عقله شهوته التحق بالملائكة، ومن غلبت شهوته عقله التحق بالبهائم.
مروءة كل شيء بحسبه:
إذا علمنا أن المروءة هي استعمال كل خلق حسن، واجتناب كل خلق قبيح؛ فإن لكل عضو من الأعضاء مروءة على ما يليق به:
·  فمروءة اللسان: حلاوته وطيبه ولينه.
·  ومروة الخلق: سعته وبسطه للحبيب والبغيض.
·  ومروءة المال: بذله في المواقع المحمودة شرعًا وعقلاً وعرفًا.
·  ومروءة الجاه: بذله للمحتاج إليه.
·  ومروءة الإحسان: تعجيله وتيسيره، وعدم رؤيته، وترك المنة به.
وهذه هي مروءة البذل والعطاء، أما مروءة الترك فتعني ترك الخصام والمعاتبة، والمماراة، والتغافل عن عثرات الناس.
دواعي المروءة:
إن أعظم دواعي المروءة شيئان:
أحدهما: علو الهمة. والثاني: شرف النفس.
أما علو الهمة: فلأنه باعث على التقدم والترقي في المكارم أنفة من خمول الضعة، واستنكارًا لمكانة النقص، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها".
وقال عمر رضي الله عنه: "لا تصغرن هممكم؛ فإني لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمة".
وإذا كانت النفوس كباراً            تعبت في مرادها الأجسامُ
وأما شرف النفس: فبه يكون قبول التأديب، واستقرار التقويم؛ فإن النفس إذا شرفت كانت للآداب طالبة، وفي الفضائل راغبة، وعن الدنايا والرذائل نائية، قال بعض الشعراء:
إذا أنت لم تعـرف لنفسك حقها.. … ..هوانًا بها كانت على النـاس أهـونا
فنفسك أكرمها وإن ضاق مسكنٌ.. … ..عليـك لها فاطلب لنفسك مسكنا
وإيــــاك والسكنى بمنـزل ذلـــةٍ.. … ..يُعدُّ مسيئًا فيـه مَن كـان مُحسنا
وقال الحُصين بن المنذر الرقاشي:
إن المروءة ليس يدركها امرؤٌ.. … ..ورث المكـارم عن أبٍ فأضاعها
أمرته نفسٌ بالـدناءة والخنا.. … ..ونهته عن سُبُل العـلا فأطاعهـا
فإذا أصاب من المكارم خُلَّةً.. … ..يبني الكريمُ بهـا المكــارم باعها
شروط المروءة وحقوقها:
ذكر بعضهم للمروءة حقوقًا وشروطًا، وهي تنقسم إلى قسمين:
أحدهما: شروط المروءة في النفس. والثاني: شروط المروءة في الغير.
أما شروط المروءة في النفس: فهي:
(1) العفة: وهي نوعان:
·  عفة عن المحارم: وتكون بكف الفرج عن الحرام، وكف اللسان عن الأعراض.
·  وعفة عن المآثم.
(2) النزاهة: وتعني النزاهة عن المطامع الدنيوية، ومواقف الريبة والتهمة.
أما حسم المطامع الدنيوية فيكون باليأس مما في أيدي الناس، والقناعة بما قسم الله تعالى.
وأما النزاهة عن مواقف الريبة: فلنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو أبعد الخلق عن الريب – أسوة حسنة؛وقف ذات ليلة يحادث أم المؤمنين صفية رضي الله عنها على باب المسجد، فمر به رجلان من الأنصار، فلما رأياه أسرعا، فقال لهما: "على رسلكما، إنها صفية"، فقالا: أوَفيك شك يا رسول الله؟ قال: "إن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلبيكما سوءًا". فحري بغيره أن يستعمل الحزم ويغلِّب الحذر، ويترك مواقف الريب، ومظان التهم.
(3)الصيانة: وهي نوعان:
·صيانة النفس بالتماس ما يكفيها.
·صيانتها عن تحمل المنن من الخلق.
شروط المروءة في الغير:
أما شروط المروءة في الغير فثلاثة:
(1) المعاونة والمؤازرة: وهي تعني: الإسعاف بالجاه، والإسعاف في النوائب.
وقد قيل: لم يسُدْ من احتاج أهله إلى غيره. وقال الأحنف عن المروءة: صدق اللسان، ومواساة الإخوان.
(2)المياسرة: وهي السماحة والسهولة وهي على نوعين: العفو عن الهفوات، والمسامحة في الحقوق.
أما العفو عن الزلات والهفوات: فلأنه لا مُبَّرأ من سهو أو زلل، وقد قال الحكماء: لا صديق لمن أراد صديقًا لا عيب فيه.
وقال بعض الأدباء: ثلاث خصال لا تجتمع إلا في كريم: حُسْنُ المحضر، واحتمال الزلة، وقلة الملال.
وقال ابن الرومي:
فعذرك مبسـوطٌ لذنب مقدم.. … ..وودُّك مقبــول بأهلٍ ومرحبِ
ولو بلغتـني عنك أذني أقمتُها.. … ..لديَّ مقام الكاشح المتكــذِّب
فلستُ بتقليب اللسان مصارمًا.. … .. خليـلاً إذا ما القلبُ لم يتقلب
وأما المسامحة في الحقوق والأموال: فتتنوع إلى إسقاط الحق أو تخفيفه.
(3) الإفضال: فذو المروءة يجود بماله، فهو إما يجود بماله على من أدَّى إليه معروفًا ولو كان يسيرًا، كما جاد الشافعي رحمه الله على غلام ناوله سوطه حين سقط منه فأعطاه سبعة دنانير، وقد يجود لتأليف قلبٍ، أو صيانة عرضٍ من الحساد والحاقدين والسفهاء.
قالوا عن المروءة:
·  قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: "للسفر مروءة، وللحضر مروءة، فأمام مروءة السفر: فبذل الزاد، وقلَّة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاح في غير مساخط الله. وأما المروءة في الحضر: فالإدمان إلى المساجد، وتلاوة القرآن، وكثرة الإخوان في الله عز وجل.
·  وسئل سفيان الثوري عن المروءة: ما هي؟ قال: "الإنصاف من نفسك والتفضُّل؛ قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) وهو الإنصاف،  (وَالإِحْسَان) وهو التفضل، ولا يتمُّ الأمر إلاَّ بهما؛ ألا تراه لو أعطى جمع ما يملك ولم يُنصف من نفسه، لم تكن له مروءة؟! لأنه لا يريد أن يُعطي شيئًا إلا أن يأخذ من صاحبه مثله، وليس مع هذا مروءة".
·  وقيل لسفيان بن عيينة: قد استنبطت من القرآن كلَّ شيء، فأين المروءة فيه؟ فقال: في قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)[الأعراف:199]. ففيه المروءة، وحُسن الأدب، ومكارم الأخلاق، فجمع في قوله: (خُذِ الْعَفْوَ) صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. ودخل في قوله: (وأْمُرْ بالعُرفِ): صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغضُّ الأبصار، والاستعداد لدار القرار. ودخل في قوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ): الحض على التخلُّق بالحلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزُّه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهَلة والأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة، والأفعال الرشيدة.
·  وقال الشعبي: "تعام

المزيد


اليأس بضاعة المفلس

أغسطس 10th, 2007 كتبها الصقر الحر نشر في , التربية

 

حين تضعف الإرادة، وتلين العزيمة، فإن النفس تنهار عند مواجهة أحداث الحياة ومشاكلها التي لا تكاد تنتهي. وحين يفشل مثل هذا الإنسان في موقف أو مجموعة مواقف، فإنه يصاب باليأس الذي يكون بمثابة قيد ثقيل يمنع صاحبه من حرية الحركة، فيقبع في مكانه غير قادر على العمل والاجتهاد لتغيير واقعه بسبب سيطرة اليأس على نفسه، وتشاؤمه من كل ما هو قادم، قد ساء ظنه بربه، وضعف توكله عليه، وانقطع رجاؤه من تحقيق مراده.
إنه عنصرٌ نفسي سيء؛ لأنه يقعد بالهمم عن العمل، ويشتت القلب بالقلق والألم، ويقتل فيه روح الأمل.
إن العبد المؤمن لا يتمكن اليأس من نفسه أبدًا، فكيف يتطرق اليأس إلى النفس وهي تطالع قوله تعالى: (وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ) [يوسف:87]. أم كيف يتمكن منها الإحباط وهي تعلم أن كل شيء في هذا الكون إنما هو بقدر الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)  [الحديد: 22، 23].
فإذا أيقن بهذا فكيف ييأس؟ إنه عندئذٍ يتلقى الأمور بإرادة قوية ورضىً تام، وعزم صادق على الأخذ بأسباب النجاح.
إن القرآن يزرع في نفوس المؤمنين روح الأمل والتفاؤل: (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) [الزمر:53].
قال بعض العلماء: لولا الأمل ما بنى بانٍ بنيانًا، ولا غرس غارسٌ غرسًا.
ولا تيأسن من صنع ربك إنه.. …. ..ضمينٌ بأن الله سوف يُديلُ
 فـإن الليالي إذ يـزول نعيـمهـا.. …. ..تبشــر أن النائبــات تزولُ
ألـم تـر أن الليـل بعـد ظلامــه.. …. ..عليـه لإسفار الصباح دليلُ
لما جاءت إبراهيم عليه السلام البشرى بالولد في سنٍ كبير أبدى تعجبه فقال: (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِ

المزيد


أنواع القلوب

أغسطس 10th, 2007 كتبها الصقر الحر نشر في , التربية

 

لما كان القلب للأعضاء كالملك المتصرف في الجنود التي تصدر كلها عن أمره ويستعملها فيما يحب ، فكلها تحت عبوديته وقهره ، وتكتسب منه الاستقامة والزيغ ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله ، قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب))(رواه البخاري ومسلم) .

فهو ملكها وهي المنفذة لما يأمرها به القابلة لما يأتيها من هديه ، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته ، وهو المسؤول عنها كلها ، فكل راعٍ مسؤول عن رعيته ، لذا كان الاهتمام بتصحيح القلب وتسديده أول ما اعتمد عليه السالكون والنظر في أمراض القلب وعلاجها أهم ما تنسك به الناسكون .

ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه ؛ أجلب عليه بالوساوس ، وأقبل بوجوه الشهوات إليه ، وزين له من الأحوال والأعمال ما يصده عن الطريق ، وأمده من أسباب الغي ما يقطعه به عن أسباب التوفيق ، ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق ، فلا نجاة من مصايده ومكايده إلا بدوام الاستعانة بالله تعالى والتعرض لأسباب مرضاته والتجاء القلب إليه وإقباله عليه في حركاته وسكناته ، والتحقيق بذل العبودية الذي هو أول ما تلبس به الإنسان ليحصل له الدخول في ضمان : (إن عبادي ليس لك ع

المزيد


حسن الظن … راحة للقلب

أغسطس 8th, 2007 كتبها الصقر الحر نشر في , التربية, من الفقه

 

ليس أريح لقلب العبد في هذه الحياة ولا أسعد لنفسه من حسن الظن، فبه يسلم من أذى الخواطر المقلقة التي تؤذي النفس، وتكدر البال، وتتعب الجسد.

إن حسن الظن يؤدي إلى سلامة الصدر وتدعيم روابط الألفة والمحبة بين أبناء المجتمع، فلا تحمل الصدور غلاًّ ولا حقدًا ، امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا…".

وإذا كان أبناء المجتمع بهذه الصورة المشرقة فإن أعداءهم لا يطمعون فيهم أبدًا، ولن يستطيعوا أن يتبعوا معهم سياستهم المعروفة: فرِّق تَسُد ؛ لأن القلوب متآلفة، والنفوس صافية.

من الأسباب المعينة على حُسن الظن:

هناك العديد من الأسباب التي تعين المسلم على إحسان الظن بالآخرين، ومن هذه الأسباب:

1) الدعاء:

 فإنه باب كل خير، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يرزقه قلبًا سليمًا.

2) إنزال النفس منزلة الغير:

 فلو أن كل واحد منا عند صدور فعل أو قول من أخيه وضع نفسه مكانه لحمله ذلك على إحسان الظن بالآخرين، وقد وجه الله عباده لهذا المعنى حين قال سبحانه: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً} [النور:12]. وأشعر الله عباده المؤمنين أنهم كيان واحد ، حتى إن الواحد حين يلقى أخاه ويسلم عليه فكأنما يسلم على نفسه: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور:61].

3) حمل الكلام على أحسن المحامل:

هكذا كان دأب السلف رضي الله عنهم. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا،

المزيد


التوبة … وظيفة العمر

أغسطس 8th, 2007 كتبها الصقر الحر نشر في , التربية

إن التوبة إلى الله عز وجل هي وظيفة العمر التي لا يستغني عنها المسلم أبدًا، فهو يحتاج إلى التوبة كل يوم ، كيف لا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم مائة مرة؟!

وقد دعا الله عباده إلى التوبة فقال: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور:31]. وما من نبي من الأنبياء إلا دعا قومه إلى التوبة، كما قصص الله علينا ذلك في كتابه الكريم في مواضع متفرقة من كتابه.

معنى التوبة:

التوبة في اللغة تدل على الرجوع؛ قال ابن منظور: أصل تاب عاد إلى الله ورجع. ومعنى تاب الله عليه: أي عاد عليه بالمغفرة.

والتواب بالنسبة إلى الله تعني كثرة قبوله التوبة عن عباده، أما بالنسبة للعبد: فهو العبد كثير التوبة.

والمعنى الاصطلاحي قريب من المعنى السابق.

شروط التوبة الصحيحة:

ذكر العلماء للتوبة الصحيحة شروطًا ينبغي أن تتوفر وهي:

أولاً: الإقلاع عن الذنب: فيترك التائب الذنب الذي أراد التوبة منه باختياره، سواء كان هذا الذنب من الكبائر أم من الصغائر.

ثانيًا: الندم على الذنب: بمعنى أن يندم التائب على فعلته التي كان وقع فيها ويشعر بالحزن والأسف كلما ذكرها.

ثالثًا: العزم على عدم العودة إلى الذنب: وهو شرط مرتبط بنية التائب، وهو بمثابة عهد يقطعه على نفسه بعدم الرجوع إلى الذنب.

رابعًا: التحلل من حقوق الناس: وهذا إذا كان الذنب متعلقًا بحقوق الناس، فلابد أن يعيد الحق لأصحابه، أو يطلب منهم المسامحة.

إلى متى تصح التوبة؟

سؤال يطرح نفسه إلى متى يقبل الله تعالى توبة عبده إذا تاب؟ ويأتي الجواب في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) [النساء:17، 18]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"..

ولابد أن تكون التوبة أيضًا قبل طلوع الشمس من مغربها؛ لقوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) [الأنعام:158].

التوبة ال

المزيد


الأمل إكسير الحياة

أغسطس 8th, 2007 كتبها الصقر الحر نشر في , التربية

أيها الحبيب،تأمل معي:

ما الذي يدفع الزارع إلى الكدح والعرق؟ إنه أمله في الحصاد،

وما الذي يغري التاجر بالأسفار والمخاطر ومفارقة الأهل والأوطان؟ إنه أمله في الربح،

وما الذي يدفع الطالب إلى الجد والمثابرة والسهر والمذاكرة ؟ إنه أمله في النجاح،

وما الذي يحفز الجندي إلى الاستبسال في القتال والصبر على قسوة الحرب ؟ إنه أمله في النصر،

وما الذي يحبب إلى المريض الدواء المر ؟ إنه أمله في العافية،

وما الذي يدعو المؤمن أن يخالف هواه ويطيع ربه ؟ إنه أمله في رضوان ربه وجنته.

الأمل ـ إذاً ـ قوة دافعة تشرح الصدر للعمل، وتخلق دواعي الكفاح من أجل الواجب، وتبعث النشاط في الروح والبدن، وتدفع الكسول إلى الجد، والمجد إلى المداومة على جده، كما أنه يدفع المخفق إلى تكرار المحاولة حتى ينجح، ويحفز الناجح إلى مضاعفة الجهد ليزداد نجاحه.

إن الأمل الذي نتحدث عنه هنا ضد اليأس والقنوط ، إنه يحمل معنى البشر وحسن الظن ، بينما اليأس معول الهدم الذي يحطم في النفس بواعث العمل. ويُوهي في الجسد دواعي القوة ؛ ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: " الهلاك في اثنتين: القنوط والعُجب "… والقنوط هو اليأس، والعجب هو الإعجاب بالنفس والغرور بما قدمته. قال الإمام الغزالي: " إنما جمع بينهما: لأن السعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب، والجد والتشمير، والقانط لا يسعى ولا يطلب، لأن ما يطلبه مستحيل في نظره".

الإيمان يبعث في النفس الأمل:

نعم هذه حقيقة وواقع مشاهد أن الإيمان يبعث في النفس الأمل ويدفع عنها اليأس والأسى.فالمؤمن الحق يرى أن الأمور كلها بيد الله تعالى فيحسن ظنه بربه ويرجو ما عنده من خير وأمام عينيه قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: " أنا عند ظن عبدي بي ..".

كيف يتطرق اليأس إلى نفس المؤمن وهو يقرأ قول الله تعالى : ( ولا تيأسوا من روح الل

المزيد


عشر نقاط لشخصية أفضل

أغسطس 8th, 2007 كتبها الصقر الحر نشر في , التربية

يسعى كل منا ليكون راضٍ عن نفسه .. كما يحاول دائماً أن يتمتع بشخصيه جذابة نافعة لنفسها ومجتمعها… لذا نهديكم هذه الصفات من أجل تحقيق هذا الهدف ومنها :

 

1- تكلّم عمّا تشعر به
عندما يزعجك أي شيء، تكلّم عنه، لا تكبته في داخلك، تباحث فيما يقلقك مع شخص تثق به مثل زوجك، أبيك، أمك أحد أصدقائك، طبيب العائلة، أحد معلميك في المدرسة، أو حتى في الجامعة، فالتعبير عما تشعر به يساعدك في التخفيف من توترك والنظر إليه بطريقة أفضل، وفي الكثير من الأحيان تستطيع أن تكتشف كيف تتعامل معه.

2- أهرب لفترة من الوقت
في بعض الأحيان حين تتعرض لمشكلة ما، حاول الهرب منها، فهذا سيساعدك، انغمس في كتاب شيّق أو رحلة قصيرة، لن ينفعك المكوث في مكانك وتعرضك للعذاب، كنوع من عقاب الذات، فالحل الأسلم يكون بالهروب لفترة قصيرة تلتقط فيها أنفاسك وتستعيد توازنك، ولكن عد إلى مشكلتك وتعامل معها حينما تشعر بأنك، أو بأن الأشخاص الذين من حولك مستعدون لذلك بشكل أفضل عاطفياً وعقلياً.

3- تخلص من غضبك بالعمل
إذا شعرت أنك تلجأ إلى الغضب في تصرفك، تذكر أن الغضب مع كونه يعطيك شعوراً وقتياً بالسلطة إلا أنه في النهاية يجعلك تشعر بالندم، إذا أحسست أنك ستصب غضبك على شخص ما، حاول ضبط نفسك لأطول وقت ممكن، وفي ذلك الوقت حاول القيام بشيء مفيد تخفف فيه من غضبك، أنغمس في أي نوع من النشاطات الجسدية، مثل الاعتناء بالحديقة، غسل السيارة أو أي شيء آخر. فالتخلص من غضبك بواسطة العمل لمدة يوم أو يومين يجعلك تشعر بأنك في حالة أفضل للتعامل مع مشكلتك.

4- تنازل قليلاً من فترة لأخرى
تذكر أن العراك الدائم والعناد مع من حولك هو طريقة تصرف الأطفال الصغار. تشبّث بما تعلم بصحته، ولكن بهدوء فهنالك دائماً احتمال أن تكون مخطئاً وحتى لوكنت محقاً مئة بالمئة في مسألة ما فمن الأفضل لك ولجسدك أن تأخذ الأمور بروية، إذا رضخت أحياناً فستجد أن الآخرين سيرضخون أيضا وستكون النتيجة أرتياحك من التوتر، والتوصل إلى حل عملي والشعور بالاكتفاء والنضوج.

5- حاول مساعدة الآخرين
إذا شعرت أنك دائم القلق حول نفسك، حاول القيام بعمل ما للآخرين، إذا لم تكن تعرف إنساناً محتاجاً، فهنالك جمعيات عديدة ترحب بالمتطوعين وسترى أن الاهتمام بالآخرين سيفي

المزيد


الجِدُّ .. طريق الوصول

أغسطس 3rd, 2007 كتبها الصقر الحر نشر في , التربية

 

إن للكون سننًا ونواميس لا يجوز للعبد أن يصادمها أو يخالفها، بل ينبغي أن يراعيها لينعم بحياة طيبة في دنياه وسعادة دائمة في أخراه. ومن سنن الكون أنَّ من جَدَّ وجد ، وأن من تعب قليلاً استراح طويلا ؛ فالمكارم منوطة بالمكاره ، واللذات والكمالات لا تنال إلا بحظ من المشقة:
لولا المشقة ساد الناس كلهم.. .. .. الجود يفقر والإقدام قتال
أما من آثر الراحة وأخلد إلى الأرض فقلَّ أن يفوز بمقصوده:
ومن أراد العُلا عفوًا بلا تعب.. … ..قضى ولم يقض من إدراكها وَطَرًا
لا يبلغ السؤل إلا بعد مؤلمـة.. … .. ولا تتـم المــنـى إلا لـمـن صـبــرا
وآخر يقول:
فقل لمرجِّي معالي الأمور.. .. .. بغير اجتهاد: رجوت المحالا
إن حركة الأعمال في هذه الحياة تتوقف على الجد والاجتهاد؛ لذلك كان من الواجب أن ينهض الإنسان للعمل متدثرًا بدثار الجد والاجتهاد والنشاط ، طارحًا ثوب القعود والكسل وراءه ظهريًا ، وإلى هذا يوجه القرآن والسنة ، يقول الله عز وجل: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) [التوبة:105]. ويقول الله عز وجل: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [الملك:15].
ويُعلِّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته الجد والاجتهاد بوسائل مختلفة، فتراه صلى الله عليه وسلم يحثهم على التكسب والأكل من عمل اليد: "ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده".(رواه البخري).
وكذلك يوصي النبي صلى الله عليه وسلم بالجد والاجتهاد وعدم الاستسلام لمشاعر الإحباط واليأس: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز". (رواه مسلم).
واستمع إليه صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها". (رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد). وطمأن أهل الهمة العالية بأن الله عز وجل يمدهم بالمعونة على قدر سمو هممهم: "إن المعونة تأتي من الله للعبد على قدر المؤنة".(رواه البزار).
وإن الجد والاجتهاد فيه مشقة وتعب، لكن له لذة وأي لذة، لاسيما حين يرى الجادُّ ثمار تعبه:
بَصُرتُ بالراحة الكبرى فلم أرها.. … ..تُنال إلا على جسر من التعب
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:
" وقد أجمع

المزيد


الأمّة بين حيويّة الفرد وفاعليّة الجماعة

أغسطس 1st, 2007 كتبها الصقر الحر نشر في , التربية

 

د. غازي التوبة

استمرت الأمة الإسلامية في أداء دورها الحضاري الفاعل لأكثر من عشرة قرون في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعسكرية…الخ، ويعود ذلك في تقديري إلى حيوية الفرد وفاعلية الجماعة، فكيف تكوّنت هذه الحيوية والفاعلية؟ وبم تجسّدتا؟
لقد جاءت حيوية الفرد المسلم في تقديري من البناء النفسي الذي بناه الإيمان والإسلام في داخل الفرد المسلم، وإذا اعتبرنا أنّ أركان الإيمان هي: الإيمان بالله، والملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، فإنّ الإيمان بأنّ الله خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار يجعل المسلم يُعظّم الله؛ لأنه خلق مخلوقات عظيمة، ويجعله يحب الله لأنه أنعم عليه بنِعَم كثيرة، منها: الليل لينام ويسكن فيه، والنهار ليستفيد من ضيائه، والأرض المسخّرة ليعتاش منها، والشمس والقمر ليَعُدّ الأيام والشهور، والزوج ليسكن إليه، والنبات والحيوان ليأكل منه، والماء ليشربه.. الخ، ويرجو الله أن تستمر نِعَمه الكثيرة عليه: كالسمع، والبصر، والطعام، والشراب… الخ، ويثق بالله لأنه يرى الكوْن المُنظّم، والحركة الدقيقة لكل آياته: الليل، والنهار، والشمس، والقمر… الخ.
أما الإيمان بالملائكة فإنه يبني في نفس المؤمن تعظيم الله؛ لأنه خلق مخلوقات عظيمة في قدرتها وتأثيرها ومهماتها، ويبني حب الملائكة؛ لأنها تُبشّر المؤمنين وتستغفر لهم وتحفظهم.
أما الإيمان بالكتب والرسل فإنه يبني في نفس المسلم تعظيم الله؛ لأنه أنزل الكتب وأرسل الرسل الذين هدوا الناس إلى الخير في الدنيا والآخرة، ويبني الثقة في الله لأنه نصر الأنبياء وأهلك الكافرين، ويبني الإحساس بالانتماء إلى الأنبياء رهط الخير والصلاح على مدار التاريخ، وينفي الإحساس بالغربة الذي يُواجهه الداعية عندما يُخالف قومه في بعض سلوكهم وتصرّفاتهم.
أما الإيمان باليوم الآخر فإنه يبني في نفس المسلم الخوف من نار الله وعذابه، ويبني الرجاء في نعيم الله وجنّته.
أما أركان الإسلام فإنّ لكل ركن دوراً في تغذية البناء النفسي للمسلم، ويمكن أن نمثّل على ذلك بالصلاة والزكاة، فالصلاة تبني تعظيم الله؛ لأن المسلم يقف فيها بين يدي ربّه ذليلاً ضعيفاً خاشعاً سائلاً، وتبني الخضوع لله لأنه يَمْتَثِل أمر ربّه في الركوع والسجود، وتبني حبّه -تعالى- لأنه يتذكّر فيها نِعَم الله الكثيرة التي أنعمها عليه فيَحْمَدُه -تعالى- ، وتبني الرجاء حيث يسأل الله الجنّة، وتبني الخوف حيث يسأل الله أن يُجنّبه النار.
أما الزكاة فإنها تبني في نفس المسلم الخضوع لله لأنه يَمْتَثِل أمر الله ويخرج جُزْءاً من ماله طاعة لله، وتبني تعظيمه، لأنه يتخلّى عن شيء يُحبّه وهو المال من أجل محبوب أعظم وهو الله، وتبني الخوف من الله؛ لأنه يُخرجها خوفاً من عِقاب الله يوم القيامة، وتبني الرجاء في الله؛ لأنه يرجو المَثوبَة في الجنّة على إخراجها، وتبني الثقة في الله؛ لأنه يعتقد بأنّ الله سيُخْلِفه عِوَضاً عنها.
إنّ هذا البناء النفسي الغني هو الذي أوصل المسلمين إلى إفراز مؤسسة ضخمة كان لها أثر عظيم في حياة المسلمين هي مؤسسة الوَقْف، ولولا هذا البناء النفسي الغني الذي ستكون إحدى تجلّياته العطاء والتصدّق بالمال والأملاك والبساتين والبيوت تعظيماً لله وخضوعاً له، وحبّاً له أكثر من كل محبوبات الدنيا، ورجاء الجنّة في الآخرة، وخوف عقاب الله لما أمكن وجود هذه الأوقاف الكثيرة، والتي ملأت مختلف مناحي حياة المسلمين. فما مظاهر الوقف في حياة المسلمين؟
أول وقف خيري عُرِف في الإسلام هو وقف النبي لسبع بساتين بالمدينة كانت لرجل يهودي اسمه مُخَيْريق قُتِل في غزوة أُحُد، وأوصى: إن قُتلت فأموالي لمحمّد يضعها حيث أراه الله. فقُتِل يوم أُحُد - وهو على يهوديته - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مخيريق خير اليهود"، وقَبَض النبي تلك الحوائط السبعة وأوقفها. وقد أوقف الصحابة بعد ذلك، فأوقف عمر رضي الله عنه أرضاً أصابها من أرض خَيْبَر، وأوقف عثمان رضي الله عنه بئر رومة، وأوقف أبو طَلْحَة رضي الله عنه بستان بَيْرَحاء. ثم أوقفت الأمّة ثروة طائلة في الأوقاف بلغت ثُلث ثروة العالم الإسلامي ساهمت في تنمية مختلف مجالات الحياة الإسلامية التعليمية والصحية والاقتصادية والاجتماعية… الخ.
ففي مجال التعليم ساهمت الأوقاف في تنمية التعليم والدراسة، سواء في داخل المساجد أو المدارس المنفصلة، وراعت الأعمال الوقفية التنمية من مرحلة الطفولة إلى المراحل الدراسية العُليا المتخصّصة؛ إذ إنّ أغلب فقهاء المسلمين وعلماء دينهم تخرّجوا من مدارس هيّأتها لهم أوقاف المسلمين.
وكانت هناك مدارس تقوم مقام الجامعات تُدرّس فيها جميع المذاهب الإسلامية، إضافة إلى العلوم العقلية والطب وغيرها من العلوم، ومن هذه المدارس المدرسة الصالحية والمدرسة الظاهرية والمدرسة السعودية بمصر، والمدرسة الصلاحية بحلب، والمدرسة الغِياثية بمكة المكرمة، والمدارس الأربعة بمكة المكرمة التي كانت تُدرّس المذاهب الأربعة.
وقد تحدّث ابن خلدون عما شاهده في القاهرة من نشاط علمي، وأعاد الفضل في ذلك إلى الأوقاف، وقد أدّى كل ذلك أن تكون القاهرة متعة ا

المزيد


فتياتنا بين الحجاب وصرعة الأزياء

أكتوبر 12th, 2006 كتبها الصقر الحر نشر في , التربية

لا شك أن زي الفتاة ومظهرها دليل عفتها وطهارتها أو علامة على عكس ذلك، ومن خلال ما تلبسه المرأة يمكن في أكثر الأحوال الحكم على نوع ما تحمله من فكر وخلق.

ولا يستطيع أحد أن ينكر أن المرأة كلما كانت محتشمة في زيها متأدبه في مشيتها مع وقار في هيئتها كل ذلك ينم عن داخل نقي ومنبت زكي ونفس طاهرة، وبقدر ما يظهر ذلك على الفتاة بقدر ما تبتعد عنها همم اللئام وأفكار وأنظار الذئاب، وأطماع الكلاب، وتطلعات مرضى القلوب، ولصوص الأعراض.

والفتاة التي تتفنن في إظهار مفاتنها من خلال الموضات المثيرة التي تظهر أكثر مما تخفي سواء بإظهار مفاتن البدن من خلال لبس الأزياء العارية أو الضيقة التي تصف تقاطيع البدن أو الخفيفة التي تشف عما تحتها أو من خلال الموضات الصارخة والعجيبة والغريبة التي تلفت الانتباه وتعلق عين الناظر هذا كله يعرض الفتاة لأن يتعرض لها الفسقة ومرضى النفوس والقلوب .. وهي في ذات الوقت تعرض نفسها لخطر هي في غنى عنه.

والغريب أن فتياتنا وبناتنا بتن يلهثن وراء الموضات في سعار غريب ورغبة محمومة للبحث عن كل جديد حتى وإن كان يخالف شريعتنا وعقيدتنا بل وأعرافنا أيضا، وفي كثير من الأحيان تكون الحالة المادية للأسر لا تسمح بمثل هذا التطرف في اختيار الموضات الذي تصر عليه بناتنا وفتياتنا بحجة الظهور بالمظهر اللائق وعدم الإحراج أمام بقية البنات في المدارس أو الطالبات في الجامعة أو الزميلات في العمل..

ونظرة إلى واقع مدارسنا المتوسطة والثانوية وجامعاتنا وشوارع كثير من بلداننا مع إطلالة سريعة على ما تعرضه محلات الأزياء في أسواقنا تدلنا على واقعنا ومدى ما وصل إليه

المزيد


يوسف وامرأة العزيز .. ودرس في العفة للشباب

أكتوبر 12th, 2006 كتبها الصقر الحر نشر في , التربية

شبابنا هم أبناؤنا وإخواننا وأحبابنا، كلنا يعلم ما يعانونه في شبابهم من مشكلات تواجههم في حياتهم.. ولعل مشكلةَ تأجج الشهوة في تلك الحقبة من العمر وانتشار دواعيها مع قلة مصارفها الحلال هي واحدة من أكبر هذه المشكلات، بل وأهمها لدى إخواننا الشباب..

وإذا كانت العفة مطلبًا شرعيًا واجتماعيًا ـ صيانة للدين وحفاظًا على المجتمع بحفظ أهم طبقة فيه ـ فلا يخفى صعوبة هذا المطلب في مثل زماننا، زمان الفضائيات والدشوش والكليبات والشبكات العنكبوتية والتي تتكاتف جميعًا لعولمة النمط الثقافي والاجتماعي الأمريكي خاصة والغربي عامة بما فيه من إباحية جنسية، وهدم للمنظومة الأخلاقية، ومغايرة للمفاهيم الإسلامية والشرقية.

وكل هذا يجب أن لا يحملنا على اليأس والاستسلام والرضا بالواقع، بل على العكس ينبغي أن يحث الهمم ويهيج على العمل لدرء الفتن وصيانة الشباب.
ويبقى الأمل في نفوسنا وحسن ظننا بشبابنا بابًا ندخل منه لدعوتهم لمجابهة الشهوات وعدم الرضوخ لها والوقوع في أسرها.

قصة يوسف
 إننا حين نتحدث عن مواجهة الشهوة لا نتحدث عن أمر معجز يستحيل الحصول عليه، وإنما مطلب واقعي ممكن، وإن كان صعبًا. وقد قص علينا القرآن قصة من قصص الشباب مع الشهوة ليتخذ شبابنا منها قدوة وأسوة ودرسًا عمليًا في كيفية التعامل مع مثل هذه المواقف، ويتعرف على الأسباب المعينة على الخلاص من ورطاتها.

إن الواقع الذي عاشه يوسف عليه السلام هو في الحقيقة أشد من أي واقع يقابله شاب منا، فلقد تهيأت له كل أسباب الفاحشة ودواعيها :
فالشباب والقوة والشهوة متوفرة؛ فقد كان في عنفوان شبابه، وهو يحتاج لتصريف شهوته وهو عزب، ولا مصرف له حلال، وقد بذلت له ولم يسع إليها..
والمرأة جميلة؛ فهي زوجة العزيز ومثله لا يتزوج إلا بأجمل النساء.
ولا خوف من العقوبة؛ فالمرأة هي الطالبة والراغبة، وقد طلبت وأرادت بل وراودت، فكفته مؤنة التلميح أو التصريح بالرغبة.
وقد أغلقت الأبواب عليهما ليكونا في مأمن، ولترفع عنه حرج الخوف من الفضيحة.
ثم هو غريب في بلد لا يعرفه أحد؛ فلا خوف من أن يفتضح، وهو خادم وهي سيدته، فهو تحت سلطانها وقهرها، فيخاف إن لم يجبها أن يطوله أذاها.
وقد عانى عظم الفتنة وشدة الإغراء.. فالمرأة لا شك قد أعدت للأمر عدته وبيتته بليل وخططت له، فدخلت وأغلقت الأبواب كل الأبواب، وبدأت في المراودة، ومثل هذه لابد أنها تزينت بكل زينة وجمعت كل فتنة، فما ملك إلا الهرب، وأنقذه هذه المرة وجود سيده لدى الباب رغم أن ردة فعله كانت مخيبة للآمال.

تكرر الإغراء
لقد تكرر الموقف لا شك مرات، وقد هددته وتوعدته وخوفته بالسجن، ورأى جرأتها على زوجها وقدرتها على تنفيذ أمرها، وإصرارها على تحصيل مبتغاها في قضاء وطرها، والإعلان بذلك أمام النسوة في وقاحة وعدم حياء أو خوف، مع أمنها مكر زوجها؛ فهو كأكثر رجال هذه الطبقة  لا يمثل الطهر والشرف كبير قيمة لديهم وهذا ظاهر من موقفه: {يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين}[يوسف:29].

لقد أعلنتها صريحة: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمروه ليسجننَّ وليكونًا من الصاغرين}[يوسف:32]. فما وجد الصدّيق بعد كل هذا إلا أن يعتصم بالله، وأن يقدم رضًا الله على هوى النفس، بل ويرضى بالسجن (وأرجو أن نلاحظ ذلك) ترك اللذة والشهوة، وآثر عليها ا

المزيد


محاسبة النفس ضرورة مُلِحّة

سبتمبر 19th, 2006 كتبها الصقر الحر نشر في , التربية

النفس بطبيعتها كثيرة التقلّب والتلوّن، تؤثر فيها المؤثّرات، وتعصف بها الأهواء والأدواء، فتجنح لها وتنقاد إليها، وهي في الأصــل تـسـيـر بالـعـبد إلى الشرّ كما قال ـ تعالى ـ: {إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53]، ولـــذا؛ فإن لها خطراً عظيماً على المرء إذا لم يستوقفها عند حدّها ويلجمها بلجام التقوى والخـــوف من الله، ويأطرها على الحق أطراً.

قال لقمان الحكيم لابنه: (يا بنيّ: إن الإيمان قـائــد، والعمل سائق، والنفسَ حرون؛ فإن فتر سائقها ضلّت عن الطريق، وإن فتر قائدها حرنت، فإذا اجتمعا استقامت. إنّ النفس إذا أُطمعت طمعت، وإذا فوّضْت إليها أساءت، وإذا حمــلـتـهــا عـلـى أمر الله صلحت، وإذا تركت الأمر إليها فسدت؛ فاحذر نفسك، واتهمها علـى دينك، وأنـزلـهــا منزلة من لا حاجة له فيها، ولا بُدّ له منها. وإنّ الحكيم يذلّ نفسه بالمكاره حتى تعترف بـالـحــــق، وإنّ الأحمق يخيّر نفسه في الأخلاق: فما أحبّت منها أحبّ وما كرهت منها كره).

ومـن هـنــا كـان لزاماً على كل عبدٍ يرجو لقاء ربّه أن يطيل محاسبته لنفسه، وأن يجلس معها جلسات طـِــوالاً؛ فينظر في كل صفحة من عمره مضت: ماذا أودع فيها، ويعزم على استدراك ما فات ويشحذ همّته لسفره الطويل إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ.

أولاً: معنى المحاسبة:

· قال الماوردي في مـعـنـى المحاسبة: (أن يتصفّح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محموداً أمـضـــــاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذموماً استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في الـمستقبل).

· وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: (هي التمييز بين ما له وما عليه (يقصد العبد) فـيـسـتـصـحـب مـا لــه ويـؤدي مـا عليه؛ لأنه مسافرٌ سَفَرَ من لا يعود).

· وأمـا الـحـارث الـمـحـاسـبي فقد عرّفها بقوله: (هي التثبّت في جميع الأحوال قبل الفعل والترك من العقد بالضمير، أو الفـعــل بالجارحة؛ حتى يتبيّن له ما يفعل وما يترك، فإن تبيّن له ما كره الله ـ عز وجل ـ جانـبه بعقد ضمير قلبه، وكفّ جوارحه عمّا كرهه الله ـ عز وجل ـ ومَنَع نفسه من الإمساك عن ترك الفرض، وسارع إلى أدائه).

ثانياً: أهمية محاسبة النفس:

لمحاسبة النفس فوائد متعدّدة نذكر منها ما يلي:

1 - الاطلاع على عيوب النفس ونقائصها ومثالبها، ومن ثمّ؛ إعطاؤها مكانتها الحقيقية إن جنحت إلى الكبر والتغطـرس. ولا شـك أن معرفـة العبد لقدر نفسه يورثه تذلّلاً لله فلا يُدِلّ بعمله مهمـا عَظُم، ولا يحتقر ذنبه مهما صغر. قال أبو الدرداء: (لا يفقه الرجل كلّ الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون أشدّ لها مقتاً).

2 - أن يتعرّف على حق الله ـ تعالى ـ عليه وعظيم فضله ومنّه؛ وذلك عندما يقارن نعمة الله عليه وتفريطه في جنب الله، فيكـون ذلك رادعاً له عـن فعل كل مشين وقبيح؛ وعنـد ذلك يعلـم أن النجـاة لا تحصل إلا بــعـفـــو الله ومغفرته ورحمته، ويتيقّن أنه من حقّه ـ سبحانه ـ أن يطاع فلا يعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر.

3 - تزكية النفس وتطهيرها وإصلاحها وإلـزامـهـا أمْر الله ـ تعالى ـ.

· قال ـ تعالى ـ: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10]،

· وقال مالك بن دينار: (رحم الله عبداً قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ ثم ذمّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله ـ عز وجل ـ فكان لها قائداً).

4 - (أنها تربّي عند الإنسان الضمير داخل النفـــس، وتنمّي في الذات الشعور بالمسؤولية ووزن الأعمال والتصرّفات بميزان دقيق هـو ميزان الـشــــرع).
· حكـى الــغـزالـي فـي (الإحيـاء) أنّ أبا بكـر ـ رضي الله عنه ـ قال لعائشة ـ رضي الله عنها ـ عند الموت: (ما أحدٌ من الناس أحبّ إليّ من عمر) ثم قال لها: (كيف قلتُ؟) فأعادت عليه ما قال، فقال: (مـا أحـــدٌ أعـــزّ عليّ من عمر)!! يقول الغزالي: (فانظر كيف نظر بعد الفراغ من الكلمة فتدبّرها وأبدلها بكلمة غيرها).

ثالثاً: فضل المحاسبة والآثار الواردة في ذلك:

· قال الله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]، قال بعض أهل التفسير: (وهو تعبير كذلك ذو ظلال وإيحاءات أوسع مـــــن ألفاظه، ومجرّد خطوره على القلب يفتح أمامه صفحة أعماله بل صفحة حياته، ويمدّ بـبـصـــره في سطورها كلّها يتأمّلها، وينظر رصيد حسابه بمفرداته وتفصيلاته لينظر ماذا قدّم لغـده في هذه الصفحة. وهذا التأمّل كفيل بأن يوقظه إلى مواضع ضعف ومواضع نقص ومواضع تقصير مهما يكنْ قد أسلف من خير وبذل من جهد؛ فكيف إذا كان رصيده من الخير قـلـيـلاً ورصيده من البرّ ضئيلاً؟! إنها لمسةٌ لا ينام بعدها القلب أبداً، ولا يكفّ عن النظر والتقليب).

· وقال ـ تعالـى ـ: {وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2] يقـول الفـرّاء: (ليس مـن نفسٍ برّةٍ ولا فاجـرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيراً قالت: هلاّ ازددتِ، وإن عملت شرّاً قالت: (ليتني لم أفعل)، وقـــال الحسن في تفسير هذه الآية: (لا يُلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردتُ بأكـلـتـي؟ مــــاذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قُدُماً لا يعاتب نفسه).

· ويـقــول الله ـ عزّ وجلّ ـ في وصف المؤمنين الذين يحاسبون أنفسهم عند الزلّة والتقصير ويرجعون عمّا كانوا عليه: {إنَّ الَذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم مُّبْصِرُونَ}.[الأعراف: 201].

· قال الـفــاروق عمر ـ رضي الله عنه ـ: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزيّنوا للعرض الأكبر {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِـيـَـــــــةٌ} [ الحاقة: 18]).

· ويـصــف الحسن البصري المؤمن بقوله: (المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله، وإنّما خفّ الحـســـاب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنّما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة).

· ويقول ميمون بن مهران: (إنه لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة شريكه).

· ويحذّر ابـن الـقـيـم ـ رحمـه الله ـ من إهمال محاسبة النفس فيقول: (أضرّ ما على المكلّف الإهمال وترك المحاسبة، والاسـتـرسال، وتسهيل الأمور وتمشيتُها؛ فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذا حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويمشّي الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأنسَ بها وعسر عليه فطامها).

· ولنستمع إلى هذه الكلمات الجمـيـلــة لأبي حامــــد الغزالي في (الإحياء) وهو يصف أرباب القلوب المنيبة وذوي البصائر الحيّة فيقول: (فَعَرف أربابُ البصائر من جملة العباد أنّ الله ـ تعالى ـ لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون في الحساب ويُطالبون بمثاقيل الذرّ من الخطرات واللحظات، وتحقّقوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخـطــاء إلا لزوم المحاسبة وصدقُ المراقبة ومطالبةُ النّفْس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتُها في الخطرات واللحظات. فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خفّ في القيامة حسابُه، وحَضَرَ عند السؤال جوابُه، وحسُن منقلبُه ومآبُه. ومن لم يحاسب نفسَه دامت حسراتُه، وطالت في عرصات القيامة وقفاتُه، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاتُه).

· وقال الحسن ـ رحمه الله ـ: (اقرعوا هذه الأنفس؛ فإنـهـا طُلَعَة، وإنها تنازع إلى شرّ غاية، وإنكم إن تقاربوها لم تبقِ لكم من أعمالكم شيئاً، فتصبّروا وتشدّدوا؛ فإنّما هي أيّام تُعدّ، وإنما أنتم ركبٌ وقوف يوشك أن يُدعى أحدكم فلا يجيب ولا يلتفت فانقلبوا بصالح ما بحضرتكم).

رابعاً: كيفية المحاسبة:

في الحقيقة ليس هناك وسيلة محدّدة ذات خطوات وأساليب منضبـطـة في كيفية محاسبة النفس؛ وذلك لأن النفوس البشرية متباينة الطبائع والـسـجـايـــــا؛ لكنّ هناك أُطُراً عامة وخطوطاً عريضة يمكن الإشارة إليها والاستفادة منها في هذا الموضـوع. والأمـر الذي يجـب أن يفقهـه كل مسلم ومسلمة أنه لا بد من الجدّية في المحاسبة والحرص الشديد على أخذ النتائج والقرارات التي ي

المزيد


وصفة أخلاقية ومهارة ضرورية

سبتمبر 19th, 2006 كتبها الصقر الحر نشر في , التربية

في حياتنا، ومنذ صغرنا نتعلم كيف نتصل مع الناس الآخرين بالوسائل المتعددة، الحديث والكتابة والقراءة، ويتم التركيز على هذه المهارات في المناهج المدرسية بكثافة، لكن بقية وسيلة اتصالية لم نعرها أي اهتمام مع أنها من أهم الوسائل الاتصالية، ألا وهي الاستماع.
لا بد لكل الإنسان أن يقضي معظم حياته في هذه الوسائل الاتصالية الأربعة، الحديث، الكتابة، القراءة، والاستماع، لأن ظروف الحياة هي التي تفرض هذا الشيء عليه.
والاستماع يعد أهم وسيلة اتصالية، فحتى تفهم الناس من حولك لا بد أن تستمع لهم، وتستمع بكل صدق، لا يكفي فقط أن تستمع وأنت تجهز الرد عليهم أو تحاول إدارة دفة الحديث، فهذا لا يسمى استماعاً على الإطلاق، في كتاب ستيفن كوفي العادات السبع لأكثر الناس إنتاجية، تحدث الكاتب عن أب يجد أن علاقته بابنه ليست على ما يرام، فقال لستيفن: لا أستطيع أن أفهم ابني، فهو لا يريد الاستماع إلي أبداً.
فرد ستيفن: دعني أرتب ما قلته للتو، أنت لا تفهم ابنك لأنه لا يريد الاستماع إليك؟
فرد عليه "هذا صحيح"
ستيفن: دعني أجرب مرة أخرى أنت لا تفهم ابنك لأنه -هو- لا يريد الاستماع إليك أنت؟
فرد عليه بصبر نافذ: هذا ما قلته.
ستيفن: أعتقد أنك كي تفهم شخصاً آخر فأنت بحاجة لأن تستمع له.
فقال الأب: أوه (تعبيراً عن صدمته) ثم جاءت فترة صمت طويلة، وقال مرة أخرى: أوه!
إن هذا الأب نموذج صغير للكثير من الناس، الذي يرددون في أنفسهم أو أمامنا: إنني لا أفهمه، إنه لا يستمع لي! والمفروظ أنك تستمع له لا أن يستمع لك!
إن عدم معرفتنا بأهمية مهارة الاستماع تؤدي بدورها لحدوث الكثير من سوء الفهم، الذي يؤدي بدوره إلى تضييع الأوقات والجهود والأموال والعلاقات التي كنا نتمنا ازدهارها، ولو للاحظت مثلاً المشاكل الزوجية، عادة ما تنشء من قصور في مهارة الاستماع خصوصاً عند الزوج، وإذا كان هذا القصور مشتركاً بين الزوجين تتأزم العلاقة بينهم كثيراً، لأنهم لا يحسنون الاستماع لبعضهم البعض، فلا يستطيعون فهم بعضهم البعض، الكل يريد الحديث لكي يفهم الطرف الآخر! لكن لا يريد أحدهم الاستماع!!
إن الاستماع ليست مهارة فحسب، بل هي وصفة أخلاقية يجب أن نتعلمها، إننا نستمع لغيرنا لا لأننا نريد مصلحة منهم لكن لكي نبني علاقات وطيدة معهم.
تكلمنا في ما سبق عن أهمية الاستماع والإنصات، وفي هذا الجزء نتحدث عن الأسلوب العملي الذي علينا اتباعه في أثناء الاستماع للآخرين، ولنتذكر أننا إذا أردنا فهم الآخرين فعلينا أولاً أن نستمع لهم، ثم سيفهمونا هم إن تحدثنا إليهم بوعي حول ما يدور في أنفسهم.

1- استمع استمع استمع! نعم عليك أن تستمع وبإخلاص لمن يحدثك، تستمع له حتى تفهمه، لا أن تخدعه أو تلقط منه عثرات وزلات من بين ثنايا كلماته، استمع وأنت ترغب في فهمه.

2- لا تجهز الرد في نفسك وأنت تستمع له، ولا تستعجل ردك على من يحدثك، وتستطيع حتى تأجيل الرد لمدة معينة حتى تجمع أفكارك وتصيغها بشكل جيد، ومن الخطأ الاستعجال في الرد، لأنه يؤدي بدوره لسوء الفهم.

3- اتجه بجسمك ك

المزيد


التالي