لن تكون انتفاضة غزة هي آخر انتفاضة للمجتمع الفلسطيني ـ مجتمع الصبر والجهاد مجتمع الرباط والشهداء مجتمع الحرية والشموخ ـ ولكنها تتميز بأنها انتفاضة على الداخل الفاسد؛ انتفاضة على الذات؛ بل إنها توافقت مع شيء من المعنى اللغوي للانتفاضة وهو انتفاضة المحموم من حمته ومرضه والمريض يرتاح بتقيؤه وإخراج الفاسد من جسمه ودمه، أو استئصال العضو المريض ليستقيم الجسم ويتعافى، فالانتفاضة هنا أمر صحيح ومشروع.
وليس من المبالغة القول بأن المسلمين في كل مكان يراقبون الأحداث الجارية على أرض فلسطين والحزن يملأ قلوبهم على شعبها وأبنائها وحكومتها المحاصرة والخوف على مصيرها والغضب على اليهود والأمريكان ومن ينفذ أهدافهم في داخل فلسطين أو خارجها.
وطالما استمر وجود الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني، واستمرت تداعياته وامتد التعاون معه فإن مسيرة الرفض والتصدي له ومقاومته ستبقى متواصلة وإن تخللتها فترات من الهدوء بل والسلام، إن انتفاضة غزة تجعلنا نعيش ـ مسلمين وعرباً وفلسطينيين ـ لحظات تاريخية ـ ولا تقاس اللحظات التاريخية بساعات وأيام معدودة ـ فهي مفصل تاريخي جديد في ضوء ما آلت إليه عملية التسوية من فشل وما أحرزته السلطة من انتكاسة على كافة الصُعد في توجهاتها وأهدافها وتصرفاتها وإنجازاتها ليس على المستوى السياسي والعلاقات الخارجية وتوجهاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية بل وعلى المستوى المدني الفلسطيني وحقائق ممارساتها مع الشعب الفلسطيني ولذلك سيكون لهذه الانتفاضة بصماتها الواضحة على مسيرة الصراع مع العدو الإسرائيلي ليس في بعده الفلسطيني فحسب ولكن في بعده العربي والإسلامي أيضاً…
منذ إقامتها ـ بموجب اتفاقات أوسلو ـ تواصل السلطة الفلسطينية إجراءاتها السلبية تجاه المجتمع المدني الفلسطيني فباتت تهدد أمنه ورزقه وانتماءه وحريته بل تهدد دينه وشرفه وعرضه وكرامته ـ وإن كانت في عهد عرفات أكثر حكمة واتزاناً في توجهها وممارساتها منها في عهد عباس و دحلان ـ وكل هذا؛ ليَشعر المواطن الفلسطيني بقيمة السلطة الفلسطينية ويستمر في احتياجه إليها واعتماده عليها،فمارست قمع الحريات في الممارسات الدينية التعبدية والتعبير وعذبت بالهيئة والممارسات والهويات والانتماء، ولقد تجاوزت سلطة عباس الأوسلوية ممارساتها لتطال مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني التي ساهمت بشكل كبير في توفير متطلبات المجتمع وتعزيز صموده وثباته واستقلاليته عن مجتمع الاحتلال. وانتهكت مقومات الحقوق الإنسانية البسيطة وسط تعتيم إعلامي شامل بلغ حد التواطؤ،بحجة عدم إضعاف عمليات التسوية السلمية واعتدت على الرموز والقيادات واغتالت وحطمت ضمن إطار التعاون والتنسيق الأمني مع العدو الإسرائيلي المحتل بل حتى مع الأمريكي وأرشدت ودلت على القيادات والرموز من عناصر المقاومة ـ بكافة فصائلها ـ بل واعتقلتهم وسلمتهم للعدو؛ وامتد تعاونها لتقوم بالمخابرة والتجسس على الدول العربية والإسلامية لصالح أعدائهم .. وكانت لهم اجتماعاتهم ولقاءاتهم العملية مع عناصر المخابرات الإسرائيلية والأمريكية؛ كل هذا ضمن عملية الانحدار والتنازل السياسي.
والإشكالية التي تؤثر على استقرار المجتمع الفلسطيني وصموده في مواجهة الاحتلال هي أن الفصائل والحركات الفلسطينية ـ بمختلف اتجاهاتها ـ تعيش وتمارس حالة من التناحر والتضاد مع أن رؤية جميع الفصائل المعلنة والنهائية لها هي تحرير فلسطين أو إقامة الدولة الفلسطينية ـ فقضيتهم واحدة مع اختلاف أيدلوجياتها ـ ففي الوقت الذي يجب أن يكون فيه تنسيق وتوازن وتكامل وتعاضد في المواقف والبرامج فيما بينهم إلا أنهم يمارسون سياساتهم بإنفرادية وانعزالية وأنانية وتضاد يضر بمصالح القضية والشعب الفلسطيني،بل بات الحرص على لقاء العدو ـ سريا وعلنياً ـ والاهتمام بمصالحه والحوار معه من قبل بعض الأطراف والفصائل أكثر من الحرص على الحوار مع الشركاء والأشقاء ورفقاء القضية مما يؤثر على مسار القضية وهم يسعون إلى ذلك للظهور بمظهر الاعتدال والواقعية السياسية والتعايش السلمي بين الدولتين والشعبين في مقابل أطراف أخرى إرهابية ومتطرفة لأنها تتبنى خيار المقاومة ولا تقدم تنازلات؛ هذا إن لم نقل أن هذه التصرفات ـ التي تؤثر على القضية ـ ليست مرتبطة بمصالح شخصية ومكاسب ذاتية أو مستندة إلى العمالة والارتباط الدوني الحقير بالعدو.
إن الإجماع الشعبي الوطني الإسلامي والعربي والفلسطيني على مواجهة العدو الإسرائيلي ورفض التعايش والانسجام معه يدفع جميع القوى والفصائل بمختلف اتجاهاتها ومسؤولياتها إلى الاتفاق والتوافق والوقوف صفا واحداً ضده وهذا لا يعني اتفاق وتوافق البرامج السياسية لهذه القوى ولكنها توظفها لتستفيد منها بما يعزز توجهاتها ومواقفها وبرامجها السياسية.
وحركة المقاومة الإسلامية حماس منذ تأسيسها عُرفت بالاعتدال والوسطية والاتزان في ممارساتها السياسية والعسكرية ورعايتها لمصالح القضية الفلسطينية ومضيها قدماً في المقاومة والجهاد واستطاعت ـ بفضل الله تعالى ـ أن تتجاوز عقبات كبيرة وكثيرة جداً وأن تقدم تضحيات ضخمة لا تُنكر سواء على مستوى قياداتها أو على مستوى أفرادها ـ كباراً وصغاراً رجالاً ونساء ـ فرسمت منهجاً تجاوزت فيه منعطفات خطيرة وحددت لها حدوداً لا تتجاوزها لتكون متفرغة لقضيتها الأساس ـ قضية فلسطين ـ فلم تتورط في صراعات داخلية ولم ينشأ فيها ـ بفضل الله تعالى ـ نزاع داخلي ولم تتورط مع الفصائل والحركات العاملة في داخل فلسطين في صراعات تحيد بها عن هدفها الأسمى وهو مقاومة العدو وتحرير فلسطين، كما تجنبت مزالق كثيرة أُريدَ لها أن تقع فيها بالدخول في صدام مع السلطة الفلسطينية ـ منذ نشأتها ـ مع كثرة استفزازاتها لها ومؤامراتها عليها وعلى الرغم من ذهاب عدد من أبنائها ضحية لمثل هذه المؤامرات ومع ذلك تجاوزتها حركة حماس بحكمة وعقلانية وواقعية تهدف إلى تحقيق مصالح عليا للقضية الفلسطينية كما أن حركة حماس لم تتورط في عمليات خارج فلسطين ولم تسع لنقل مواجهاتها مع العدو إلى خارج حدودها وخاصة الدول العربية والإسلامية فلم تنزلق إلى ما كانت تفعله بعض الفصائل الفلسطينية سواء الشيوعية أو العلمانية حيث أساءت تلك للقضية الفلسطينية إساءة بالغة بنقلها للمواجهة إلى خارج فلسطين وطالت أهدافاً كان يمكن أن تكون لصالح القضية أما حماس فقد حصرت عملياتها وجهادها ونشاطها داخل فلسطين ولأجلها وهذا من السياسة الشرعية وحكمة القيادة ومن حسن الرؤية وبعد النظرة الواقعية وتغليب المصالح مما يعد دليلاً على وجود قيادة فذة وما تتميز به من نبوغ وسياسة حكيمة وتوازن المواقف.
وقد أعلنت حماس منذ انطلاقتها ومنذ قيادتها للانتفاضات الشعبية الفلسطينية أن الجهاد هو طريقها الوحيد لتحرير كل فلسطين وفي مقدمتها القدس والمسجد الأقصى ومضت في ذلك عملياً وقدمت التضحيات التي لا ينكرها منصف ولا شك أن الجهاد هو الطريق الوحيد لعودة فلسطين وما عداه من الطرق ليس إلا وسيلة لإعداد النفس والتقوِّي والتزود والإعداد للجهاد بالنفس ولا يمكن أن يخرج اليهود من فلسطين إلا أن يُخرجوا؛ ولن يُخرجوا إلا بالجهاد،بل سيقتلون ـ بإذن الله ـ كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله"
وتميزت حركة حماس بفصلها بين الجانب السياسي والجانب الجهادي في قياداتها ومواقفها وممارساتها فجعلت للجهاد والمقاومة قيادة مستقلة وجعلت للجانب السياسي الإعلامي قيادة أخرى مستقلة، مع تنسيقها بين هاتين القيادتين.
وجعلت حماس من مبادئها وأسس منهجها ومواقفها عدم الاعتراف بدولة إسرائيل أو الاعتراف بحقها في الوجود وإقامة دولة لهم على أرض فلسطين فلم تقبل مساوماتهم سواء للاعتراف بدويلتهم أو التنازل عن جزء من أرض فلسطين وهذا موقف لا يحق لها أن تتخذ غيره ولو أخذت غيره لفقدت الأصل الذي من أجله قامت ولأحرقت أوراقها وأهدرت الشرعية التي تسندها وقد قدمت حماس للمحافظة على مبدئها التضحيات الضخمة وواجهت الصعوبات والعقبات واستطاعت أن تتجاوزها ـ بتوفيق الله وإعانته ـ وينبغي أن يُعلم أن حماس تتخذ منهجاً مرحلياً في عملها وترتب سياساتها وفقاً للمصالح وأولويات العمل والمقاومة فهي تعلن أنها ترغب قي إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أراضي 67 وتقبل بالهدنة ولكنها لا تتنازل عن المطالبة والمقاومة والجهاد ولا تركن بل تعد عدتها وتبني كوادرها وتجهز احتياجاتها لتصل إلى كل أرض فلسطين فهي لا تتنازل عن شبر واحد من أرض فلسطين، كما أنها اعتبرت حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم واستعادة القدس وسلامة المسجد الأقصى وإطلاق سراح الأسرى أمراً لا يمكن التنازل عنه بحال.
إن حكومة حماس الأولى والثانية ـ حكومة الوحدة الوطنية ـ والتي حظيت بشرعية مطلقة اكتسبتها من اختيار الشعب لها لأنهم اختاروا منهج الإسلام لوجودهم وتصرفاتهم مع العدو بل إن فرحة المسلمين بانتخابها وفوزها بالحكومة ـ مع إشفاقهم وخوفهم على مصيرها من أعدائها ـ تمثل شرعية أعمق وأبعد وأقوى لأن فلسطين حق لكل المسلمين ومن خلال تتبع مسيرة فوز حماس وإقامتها للحكومة وقراءة ومتابعة الأحداث والمواقف التي واكبتها حتى قامت انتفاضة غزة فيمكننا أن نلاحظ ما يلي:
أولاً: ليست انتفاضةُ غزة انتفاضةً على العدو الإسرائيلي البائس وليست حدثاً عابراً من أحداث الصدامات السياسية أو صدامات العنف بل إنها انتفاضة على الداخل إنها رفض وقمع لخيانة الأمانة ـ أمانة الولاية والرئاسة ـ والتسلط والظلم ونزع الأمن، ولذا فإن التعامل مع انتفاضة غزة والحكم عليها يستدعي دراسة وفهماً وحكمة ورؤية تطول أسبابها الحقيقية وتنفذ إلى جذور المشكلة بحيادية تحقق انتصار الذات ودعم مصلحة الصمود والجهاد لتحرير الأرض المباركة،إن محاولات تطويق انتفاضة غزة بالعنف المضاد أو الانحياز إلى أحد الفريقين ضد مصالح القضية العليا سيؤدي حتماً إلى زيادة اشتعال المشكلة وانتشارها لتمتد إلى كل فلسطين فتتحول إلى صراع داخلي وتنافس على الأراضي والولايات وتعزيز وتكريس لتفتيت فلسطين ووحدة قضيتها فانتفاضة غزة لم تشتعل للاستيلاء على الحكم أو الانتصار على الفريق الآخر أو تحقيق مكاسب فردية وإنجازات سياسية تضر بمصالح القضية وإنما اشتعلت ضمن شرعية الولاية ومسؤولية الأمانة اشتعلت امتداداً لحلقات مواجهة الانحراف والفساد الإداري والأمني في غزة وكانت نتيجة لاستفزازات وممارسات هي اعتداء على الشرعية وحدود السيادة وولاية الأمر استجابة وطاعة وولاء للعدو فهي إذاً اندلعت وقامت لتصحيح المسيرة والاتجاه ليس على مستوى الفكر والتصورات













